-A +A
إدريس الدريس
كلنا نعلم أن المشكلة بدأت عندما انقلب الأمير حمد على والده الحاكم.

في تلك الأثناء شعر الشيخ حمد بحالة من الزهو والاعتداد بعد أن أصبحت مقاليد الأمور بيده والثروة الهائلة رهن قراره، وكانت الدوحة حين ذاك على هامش الأحداث والجغرافيا، وكانت أقرب ما تكون إلى قرية وادعة، فاستنهض الغاز من تحت الأرض، وأدار مكائن التنمية، وبدأت تتفتح أغصان الدوحة وتنمو، وصارت أذرعها الإعلامية تصول وتجول وتضرب يميناً ويساراً وتتخبط في تقاريرها الكيدية وأخبارها الاستخباراتية، وأخذت قطر تغرق في وحول التآمر والتخطيط المريب لضرب الأشقاء وتقريب الأغراب من خلال هذه «الجزيرة» التي صارت قبلة لبعض عرب الهلال الخصيب من المهجرين، وهم الذين استجلبتهم بريطانيا ليقيموا فيها مقابل أن يردحوا وينبحوا في الـBBC ضد بلدانهم العربية، وهكذا فقد صارت «الجزيرة» على كل لسان بين قادح يستكثر أن تكون قطر منبراً للتخوين والتآمر، ومعارض أو حانق يشعر من خلالها بالتنفيس والراحة، وهكذا تحولت جزيرة قطر إلى جزيرة تلفزيونية تثير حزازات النفوس لتغضب المملكة جارتها الكبرى وتسخط منها مصر ثم المغرب فالأردن والبحرين وغيرها، وهكذا تحولت قطر إلى محضن لشذاذ الآفاق من مثل الإسرائيلي (عزمي بشارة) الذي أصبح مستشاراً لأمير الدولة، إلى جانب كونها محطة لكل قادة الخلاف العربي من الإخوان والحماسيين، وزاد تنمر الأمير الوالد واستشعر صولة تفوق حجم قطر وقدراتها وطاقاتها وموجوداتها وصار يتولى القيام بدور مشبوه باستهداف تدمير وتفكيك العالم العربي ضمن خطة الفوضى الخلاقة، والرفع من وزن الجارة الفارسية إيران، وكانت الشقيقة الكبرى خلال كل ذلك العك صابرة تتحمل وتتغافل وتبدي العتب وتلمح، لكن الشيخ حمد بن خليفة كان ممعناً ومستمراً في غيه ولسان حاله يقول: لا أريكم إلا ما أرى.


ثم بعد سنوات وعلى حين غرة وبشكل مفاجئ تنحى أمير البلاد حمد بن خليفة، ومعه نافخ الكير حمد بن جاسم، وجاء من بعدهما الابن الشاب تميم، وتفاءل المحيط الخليجي بهذا التحول، خاصة وقد أظهر تميم في بداياته دماثة ولباقة دبلوماسية، لكن ورغم أننا نمضي في السنة الرابعة من ولايته إلا أننا لا نزال نلمس أن الخيوط ومقاليد الأمور لا تزال بيد الحمدين (حمد بن خليفة وحمد بن جاسم)، وأنهم ما زالوا في غيهم يعمهون رغم كل المحاولات الخليجية وطولة البال وتمديد جسور الصبر على الوعد والإخلاف والالتزام والنكث وادعاء الصدق رغم الكذب، وهذا كله هو الذي قاد إلى القطيعة السعودية الإماراتية البحرينية المصرية تجاه الشقيقة قطر، وهو ما لم يكن مرغوباً لكن كان مما ليس منه بد.

فيا أخي تميم يا أمير البلاد علي أن أقول لك إن الحكم يقتضي الاستقلالية والبحث عن المصالح العاجلة والآجلة، وها قد رأيت أن لكل شيء حدا، ولكل صبر نهاية، ولكل خدعة انكشافا، وستدرك أن تنمر قطر وتغريدها خارج السرب سيؤدي بها إلى التهلكة وسيوقعها في أحضان العدو المجاور الذي يتبع سياسة فرق تسد.

فإن أردت لقطر أن تكبر وأن تتقدم فلن يكون ذلك إلا ضمن وحدتها وارتباط مصيرها بأشقائها في مجلس التعاون الخليجي، ولكي يتم ذلك كله عليك أن تستقل بسياستك عن تخطيطات وتخبطات الوالد، وأن ترفع يده عن أي تدابير سياسية، وأن تقول له بوضوح تام يا أبتي قد جاءني من العلم ما لم يأتك، ابق بعيداً، خاصة أن قطر قد أصبحت من بعدك في خطر، بسبب سياستك الرعناء، وأن اليوم غير الأمس، وأن الأشقاء قد أجمعوا أمرهم على عزل العضو الفاسد حتى يؤوب إلى رشده أو يقسم الله أمراً كان مفعولاً.