-A +A
وفاء الرشيد
عقد مؤخراً بالرياض أول مؤتمر دولي للفلسفة! شكل هذا المؤتمر حدثاً كبيراً في تاريخ المملكة، وتحولاً كبيراً في المشهد الثقافي الذي عشناه.

شارك بالمؤتمر الفيلسوف الكندي مايكل ساندل، الذي كان له تعليق استوقفني بأنه لا يدري هل هذه المبادرة تعني فعلا تغيراً نوعياً في المجتمع السعودي أم هي مجرد عملية دعاية عامة شكلية؟


استفزني ساندل منذ تعليقه ذاك، وقررت اليوم التعليق بمقالي هذا على ملاحظة ساندل التي يفهم منها نفس عقلية الوصاية والتعالي المألوفة عند كثير من الكتاب الغربيين في تعاملهم مع التحولات والمستجدات السعودية! وكأننا ملزمون بأن نؤكد حسن نوايانا وصدق إصرارنا في كل مرة يجد بنا جديد. ما لا يعرفه هؤلاء هو أن الدولة منذ عهد الملك عبدالعزيز كانت هي دوماً دعامة التغيير وقاطرة التحديث الثقافي والاجتماعي، فما على المراقب إلا أن يستحضر المشهد قبل ثمانين عاماً ويرى التغيير.

ما نعيشه اليوم يا ساندل من انفتاح وإصلاح هو أعمق وأبعد محطة في تاريخ التحديث الفكري والمجتمعي المتكامل.... ومن هنا فإن تشجيع التكوين الفلسفي وإدخال الفلسفة في المناهج التعليمية يندرج في هذا الأفق التغييري الشامل.

فالفلسفة لها مفهومان؛ فهي إما ممارسة جدلية صورية أساسها المنطق الحواري والتفكير المجرد، ومن هنا لا تأثير لها على التحولات الاجتماعية والعقليات العامة، وإما طريقة للنقد والتفكيك ووسيلة لممارسة التفكير الحر وتجاوز المسلمات الهشة وإعمال العقل من أجل تحرير وعي الإنسان، وفي هذه الحالة تكون هي القوة الدافعة للتطور والتنوير.

في الماضي، كانت فلسفة ابن رشد في تأويلها العقلاني الإنساني للشريعة محطة كبرى في مسار التنوير الإسلامي، وقد انجر عن تراجعها وكبوتها انحطاط فكري واجتماعي خطير في التاريخ الإسلامي، وإن ظلت جذوة الرشدية حية في المجتمعات الأوروبية، وفي أوروبا في القرن الثامن عشر أصبحت الفلسفة لدى مفكري الأنوار مثل هوبز وكانت وفولتير وروسو وديدرو، هي دعامة مشروع التحديث والتحرر السياسي والاجتماعي. ولقد تواصلت هذه الحركية في فلسفة القرن الثامن عشر، وأصبح هدف الفلسفة هو قيادة الوعي الإنساني وفق عبارة ماركس الشهيرة «لقد أراد الفلاسفة دوماً تفسير العالم بينما المطلوب هو تغييره».

ما نحتاجه اليوم من الفلسفة إذن ليس الجدل الميتافيزيقي حول الماهية والوجود أيهما سابق على الآخر، ولا أولوية الحس أو الإدراك العقلي، أو الفرق بين الوجود والموجود، فذلك من ترف الفكر الذي لا طائل من ورائه وفيه من اللغو والفضول ما لا فائدة فيه.

نريد من الفلسفة ما يساعدنا على التخلص من التعصب والجمود والانغلاق، ويشجعنا على التفكير الحر والإبداع الثقافي والتسامح.

ومن هنا تظهر أهمية الفلسفة بالنسبة للمشروع التحديثي الكبير الذي تعيشه السعودية في الفترة الراهنة.

إن الاهتمام بالفلسفة ليس وفق هذه المعطيات مجرد عملية دعاية عامة أو مظهر انفتاح شكلي، بل لها سياقها الفكري والاجتماعي الثابت والقوي.

ما يتداوله شبابنا المقبل على الفلسفة بشغف وحيوية يتكامل مع الفلسفة المطبقة عمليا في القرارات السياسية والاجتماعية الكبرى التي تسارعت بوتيرة مذهلة في السنوات الأخيرة. ولذا فإن البناء الفلسفي في السعودية لا يقوم على الفراغ، بل يرتكز على أسس صلبة، بما يضمن نجاحه، على عكس ما يحدث في بلدان أخرى في المنطقة.

قبل سنوات دعت السلطات الإيرانية الفيلسوف الألماني الكبير هابرماس إلى طهران، فالتقى برجال الدين المقربين من النظام الحاكم، وبعد رجوعه كتب مقالا يستغرب فيه من شيوع الفلسفة وانتشارها في المراكز الدينية الرسمية دون أن يكون لها أي تأثير اجتماعي حقيقي.

السعودية تعيش الفلسفة في الواقع قبل أن تعيشها في الخطاب والنظر، ومن هنا كان الأمل كبيرا في أن يكون غراسها جنيا وتأثيرها مكينا وثابتا... والوعد قدام يا سايدل.