-A +A
أنمار حامد مطاوع
التدبير لغة: تصريف الأمور بالفكر والتخطيط والحكمة.. والنظر للعواقب. ومن صفات الله سبحانه وتعالى أنه المُدَبِّر؛ أي الذي يُجري الأمور بحكمته ويصرّفها على وِفق مشيئته وعلى ما يوجب حُسن عواقبها.

معرفة أن الله سبحانه وتعالى هو المُدَبِّر تقود الإنسان إلى الرضا بقضاء الله وقدره؛ فمن يدبّر كل هذا الخلق: يرزق وييسر ويهدي السبيل.. ويدبّر الأمر بين الأرض والسماء قادر على تدبير أمور العبد (.. وَمَن يُدَبِّرُ الْأَمْرَ..).


التدبير الإلهي له أساليب مختلفة، فهداية الإنسان للدين وعبادة الله والقيام بأعمال تنفعه في الدنيا والآخرة هي تدبير روحي من الله. في الحديث: (عجبت لأقوام يساقون إلى الجنة بالسلاسل وهم كارهون) أي أن الله يدبّر لهم سبل الجنة رغما عنهم. وقد يأتي التدبير في جمع الناس ببعضهم البعض.. فمن هذا الجمع يكون لله مشيئة في التدبير وحكمة في الوصول إلى الأمر الإلهي. وقد يأتي التدبير بأن يواجه الإنسان شدّة في حياته.. تكون هي الطريق للوصول إلى ما أراده الله من خير للعبد. كما أن تأخير الأمر -أيّاً كان- هو تدبير منه سبحانه.

الإيمان الراسخ بأن الله يدبّر الأمر كله يؤدي إلى التوكل والاعتماد عليه وتفويض الأمر إليه: (وَأُفَوِّضُ أَمْرِيَ إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ).. عند حدود هذا الإيمان، لن يطلب العبد الاستعانة إلا من الله.. فهو من يسوق الأسباب ويدبّر سبل الوصول للأهداف القدريّة.. ويختار من الأمر ما هو حسنٌ عواقبه.

يقول العلماء: نصيب الإنسان من المُدَبِّر أن يدبّر أمور أماناته؛ فالمدير يدبر أمر إدارته.. والقائدة تدبر أمر مدرستها.. والموظفة تدبّر أمر وظيفتها.. وهكذا. (والتدبير يعني إتقان ما يقوم به الإنسان، فإتقان العمل تدبير)؛ لأن الإيمان بالمدبّر لا يعني التقاعس عن العمل بل السعي.. فالسعي وراء الأسباب التي دبرها الله يؤدي للوصول إلى غاية التدبير.

إذا عرف العبد أن الله سبحانه وتعالى هو المدبّر، فهذا يعني أنه لن يشكو همه إلا إلى الله وحده.. فهو من يزيل همه وغمه.. (أليسَ اللهُ بِكافٍ عَبدَه) فلا حاجة لمخلوق والخالق يدبّر الأمر كله.

وفيما يروى (أن أحد التابعين سمع رجلا يشكو غمه لصديق فأخذه من يده وقال: يا ابن أخي.. إياك والشكوى لغير الله عز وجل..). هو الاطمئنان لما سيأتي من الله والتوكل عليه في السراء والضراء (وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ..). فما يختار الله لعبده خير مما يختار العبد لنفسه.. لأن اختيار الله يكون بتدبير ومعرفة وحكمة وعلم بخاتمة الأمر ومنتهاه.

معرفة أن المُدَبِّر هو الله تجدّد تعلق القلوب به جل جلاله.. وترفع من حلاوة الإيمان.. وتصنع مشاعر الأمان والسّلام مع النفس.