-A +A
محمد الساعد
أقل ما توصف به العلاقة التركية القطرية بأنها ورطة من طرف واحد.. وحب من طرف ثان، فمن هو الورطان، ومن هو الولهان، خاصة وأن الأتراك يهيمون حباً في قطر ليس لسواد عيونها، ولكن لسواد بترولها ورائحة غازها النفاذة.

القطريون ورطوا أنفسهم في علاقة - محرمة - مع مبتز دولي لا يتوقف عن الابتزاز وابتلاع الأموال، والأتراك تورطوا مع سياسي ساذج كل قدره أنه ورث حكماً من أبيه وبحيرة غاز، تسيره أوهام تحقيق مكانة في الإقليم والعالم بلا مؤهلات ولا قيادة ولا تاريخ يشفع له.


يا لها من معادلة معتادة في تفاصيل الحياة اليومية، بين فتوة صاحب عضلات يفردها على الضعفاء وغني صاحب أموال لا يعرف كيف يديرها ولا يحميها ولذلك يستعين في نهاية الأمر بفتوة الحارة وهو هنا أردوغان.

كانت قطر إلى العام 2017 تدير مؤامراتها السياسية بتكاليف مالية منخفضة «قطرياً»، فكانت تقدم الرشاوى للإعلام والمؤسسات والحكومات وترسل الأموال للتنظيمات الإرهابية بما لا يؤثر على ملاءتها المالية، وقد استطاعت تحقيق الكثير من التخريب والإرهاب لأنها اعتمدت على مقاولين صغار هم في نهاية الأمر لا يتجاوزون منظمات مثل الإخوان المسلمين أو القاعدة أو حزب الله أو الحوثيين، لكن حمق القيادة القطرية وعمى بصيرتها السياسية دفعها للاستعانة بمقاول إقليمي عالي التكلفة هو «أردوغان» الذي «شلحهم مالياً»، فإذا كانت قطر تدفع سابقاً عشرة مليارات - على سبيل المثال - لإدارة حملات التخريب والإرهاب، فهي تدفع اليوم مئات المليارات من خزينتها ومدخراتها للأتراك دون أن يتوقف السيد رجب.

الزيارة العاجلة والسريعة التي قام بها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى الدوحة - غداة لقاء الأمير بندر بن سلطان في قناة العربية - لم تكن زيارة دولة لدولة كما هي الأعراف والتقاليد الدبلوماسية، بل هي زيارة تطييب خواطر بعد أن تكدر خاطر «دلوع تركيا»، يقابلها أخذ مزيد من الدولارات الخضراء.

أردوغان يفهم جيداً نفسية حكام قصر الوجبة، وكيف أن أي تصريح سيخدش زجاج الكبرياء المغشوش الذي يغلفون به أنفسهم، ولذلك يتلاعب بهم كيفما شاء، ويعرف متى يزور ومتى يبتز، ويستطيع أن يملي شروطه ويسحب ما يريد من الأموال مقابل وعود واهية بالانتقام لهم، وهو يعلم يقيناً أنه سيجدهم في وضع نفسي سيئ، على إثر وصف «القراد يبقى قراد»، وأنهم مستعدون لإيداع آخر قرش في خزينتهم لعلاج جرحهم الغائر.

إنها ضريبة من لا يقبل قدره، ويتصالح مع كونه دولة صغيرة ليس لها مكانة في التاريخ إلا أن المصادفة التاريخية والجغرافية وضعتها فوق حقول الغاز، أردوغان يعي ذلك ويفهم أن قطر ليست سوى نتوء ترابي ومستوطنة بشرية فيها قناة تلفزيونية وقاعدة عسكرية أمريكية.

وهو لا يفعل ذلك عبثاً بل يؤسس لنوع جديد من العلاقة بين والٍ في أنقرة، و«قائم مقام» في الدوحة كما كانت عليه السلطنة العثمانية، إلا أن الغريب ليس فعل أردوغان فهو المعتاد منه، بل تصرف القطريين الذين يبحثون عن كبير لهم بينما كانوا يقدمون أنفسهم كمستقلين هاربين من قدرهم الصغير.

لقد قال الأمير بندر خلال مقابلته ما طير النوم من عيون القطريين، لأنه لامس غرورهم وكبرياءهم المغشوش الذي بنوه على مدى عقدين بأموال الغاز، ولأنه لا يستند على أي مقوم حضاري حقيقي.

كاتب سعودي

massaaed@