-A +A
أنمار مطاوع
خلال مسارات التاريخ المستقيمة والمتعرجة، تعرّض الحق والباطل إلى أبعاد بعضها صلب وأخرى طرية. الأبعاد الصلبة ترمز إلى الوضوح والوقوف إلى جانب الحق. أما الأبعاد الطرية فإنها تسيح في مسارات التاريخ المتعرجة؛ أي تكون قابلة للتشكيل والتغيير وربما التحويل. تلك مسارات رديئة.

منذ منتصف القرن الماضي، بدأ العالم في طرح مفردات باردة -لا يأتيها الحق من بين يديها ولا من خلفها- لمناقشتها والتصويت عليها ومعرفة مدى رغبة الأغلبية في جعلها قانونية.. وكأن: الحق يصبح حقا بسبب كثرة معتقديه.. والباطل يصبح باطلا بسبب قلّتهم.. وضمرت حقيقة أن الباطل يظل باطلا حتى لو كثر معتقدوه، والحق يظل حقا حتى لو قل معتقدوه.


مفاهيم العصر الحديث لم تعد تعجبها هذه الحقيقة، فأعادت تشكيل المنطق: الباطل يمكن أن يصبح حقا نظاميا إذا تم التصويت عليه بالموافقة من الأغلبية.. والعكس صحيح. الحق والباطل لم يعودا يحظيان بكامل الاحترام.. بل -حاليا- هما رهينة ما يطلبه المشاهدون والمستمعون والمستخدمون لوسائل التواصل الاجتماعي.. أي أصبحا تحت قبضة الرأي العام. فإذا طُرحت قضية باطلة وصوت الرأي العام على إباحتها.. من المحتمل جدا أن يتم فتح باب مناقشتها ودراستها وتحليلها.. وربما يتم تقنينها بنظام ومواد وفقرات.. فتدخل حيز الممارسة بحماية القانون.. وتصبح نشاطا قانونيا توضع عقوبات لمن يعارضه؛ تحت مظلة قانون حقوق الإنسان العالمي.

في الأسبوع الماضي، أصدر الفاتيكان وثيقة من عشرين صفحة تعارض (القتل الرحيم)؛ بعد تزايد أعداد الدول التي تفكر في إضفاء الشرعية عليه، إضافة إلى إباحتها المساعدة الطبية على الانتحار -بصرف مواد قاتلة للمريض يستخدمها لإنهاء حياته- تحت ضغط رأيها العام. خطوات إلى الوراء تضع قيم الفضيلة وكرامة الإنسانية في أقرب مرمى نفايات.. تحت ذريعة (رغبة الأكثرية).

القتل الرحيم.. حقوق الـLGBT.. العلاقات غير الشرعية.. القمار.. إضافة إلى قضايا كثيرة كان العقل البشري السليم بالتوجيه الإلهي الحق يضعها في خانة الباطل والممنوع -وهي محرمة في كل الأديان السماوية-.. أصبحت الآن تُطرح على طاولة النقاش للاستفتاء حول استمرار منعها أو السماح بها؛ بناء على (رأي الأغلبية).

كاتب سعودي

anmar20@yahoo.com