-A +A
نجيب يماني
يتضاعف شعوري بالحزن والأسى وأنا أتابع أخبار الفيضانات في السودان، والآثار المدمرة التي خلّفها، ويتعاظم حزني أكثر عندما أنظر إلى هؤلاء السُّمر الميامين وهم يتجمّلون بالصبر، ويبتسمون كعادتهم في أوج المأساة، ولا يندّ عنهم صوت جزع، ولا تصدر عنهم شكاة موجدة، وإنما هم، كما عرفتهم، صبّارون على الأذى، حمّالون للمصاعب بجلد وصبر، تزينهم أخلاقهم الرفيعة، وقيمهم النبيلة، ويتوقون لغد أفضل هم جديرون به..

إن ما يحصل في السودان مأساة إنسانية بمعنى هذه الكلمة، ويؤسفني أن التحرّك الدولي ليس بحجم هذه الكارثة.


ليس غريباً أن تهب قيادة وطني المملكة العربية السعودية للنجدة، لتكون في صدارة الدول العربية والجارة لهذا البلد الطيب، فكانت المملكة؛ ممثلة في مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية المبتدر إلى تقديم يد العون والمساعدة، وشعرت بالفخر والاعتزاز وأنا أتابع رد فعل الإخوة السودانيين عبر وسائل التواصل الاجتماعي وهم يلهجون بالثناء على المملكة وقيادتها على خلفية ما تلقوه من إعانة وإغاثة ومساندة في مصابهم الكبير، ما بين أصوات الفرح استمعت لإخواننا وهم يرددون «يعيش الملك سلمان»، «كثر خيرك يا ملك سلمان» «جاتنا خيامك وعجوتك وبلحك بارك الله فيك»، «وجزاك عنا أفضل الجزاء ناسك ما قصروا معانا عملوا لنا كل شيء».

المملكة وهي تقوم بهذا الواجب إنما تنطلق من مرتكزات إنسانية وأخلاقية عظيمة عرفت وتميزت بها، وضعتها في مقام الواجب المنظور أداؤه بغير منّة ولا أذى، كفاء التزامها الرفيع بأخلاق الإسلام وروح الإيمان بحرمة النفس الإنسانية، ووجوب صيانة كرامتها، وحفظ مكانتها، ولهذا جاء العون إلى السودان سريعاً، ليغيث الذين تشردوا من بيوتهم، وفقدوا المأوى والغذاء والكساء..

إن الحالة الإسعافية العاجلة التي ابتدرتها المملكة، ولحقت بها بعض الدول الأخرى أمر مهم وضروري لتلافي آثار الفيضانات، غير أن المرحلة المقبلة تبدو الأكثر حاجة لمزيد من العون والسند لأهل السودان، فواقع الحال يشير إلى بنية مفككة وضعيفة في هذا البلد، وهو أمر مفهوم قياساً على حالة الدمار الهائل التي شهدها السودان إبان حكم «الإخوان» في السنوات الثلاثين الماضية، وما أحدثته من تخريب وتجريف وخلخلة في البنية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في هذا البلد الطيب، والتي تابعنا فصولها المخيفة والمرعبة من خلال قناة العربية التي كشفت أسرار «الجماعة» خلال فترة حكمهم المظلمة على السودان، بما ترك السودان عرضة لكل الهزات التي تحصل له اليوم، فالحاجة ماسة وعاجلة لتدارك كوارث الحالة الصحية المتوقعة جراء الفيضان والمياه الراكدة، واختلال مصارف الصرف الصحي، وتوافر البيئة لتوالد نواقل الأمراض والأوبئة، وهو ما يتطلب تضافراً في الجهود، وتحرّكاً دولياً يستشعر حجم هذه الكارثة قبل أن تتفاقم بأكثر مما هي عليه اليوم.

والمحزن حقّاً أن هذه الكارثة تأتي في ظرف اقتصادي بالغ الحرج والتعقيد، فالأخبار الواردة تشير إلى ارتفاع التضخم الاقتصادي بأرقام مرعبة، أدخلت معها معظم الشعب السوداني تحت خط الفقر والعوز، وبات حلم الحصول على لقمة العيش أمراً عسيراً على كثير من الأسر المتعففة، وهذا أيضاً تحدٍّ جديد، يستوجب معالجة فورية لجذور الأزمة الاقتصادية السودانية، بعيداً عن المسكنات المرحلية، والمعالجات الآنية، وأنا على ثقة أن السودان بما يملكه من عقول وخبرات، نعرفها تمام المعرفة، وبما أعطاه الله من خيرات وموارد وكنوز ظاهرة وباطنة، قادر على تجاوز مثل هذه الأزمات، وتأسيس قاعدة اقتصادية متينة، متى ما توفرت الإرادة وصدق العزم، وتحقق السلام في ربوعه، وقد هلت بشائره بعد توقيع إعلان جوبا بالأحرف الأولى، في انتظار التوقيع النهائي بما يضمن تضافر الجهود من أجل البناء والتنمية بعد أن فرقتها الحرب، وبددها الصراع لسنوات، في فترة حكم «الإخوان»، لا عاده الله إلى أرض السودان.

قلبي مع السودان وشعبه، وأسأل الله أن يفيض عليه الخير والنعم، فإنه يستحق المحبة والتقدير والعرفان، وليت المملكة وهي تسعي لمساعدة كل شعوب الأرض أن تأمر بحملة شعبية سعودية نشارك فيها جميعاً أسوة بما فعلته المملكة مع سوريا وكانت الحصيلة أكثر من ثلاثة ونصف مليار ريال سعودي ذهبت إلى الشعب السوري المغلوب على أمره، و«من قلبي سلام للخرطوم» التي قال فيها الشاعر

إنَّه الخرطوم أيقونةُ فنٍّ

اصطفاه بين العواصم دهر

تنتهي كُتبُ التاريخ إليه

وبه يبدأ المجدُ وفخر.

كاتب سعودي

nyamanie@hotmail.com