-A +A
محمد حسن مفتي
لعل الحدث الأبرز الذي غير خارطة الصراع العربي الإسرائيلي هو مذبحة دير ياسين، تلك المذبحة التي أزهقت أرواح قرابة المئة نسمة من الأبرياء من سكان القرية، والتي كانت مقصودة لإثارة الرعب في نفوس الفلسطينيين، وقد وصفها الزعيم الإسرائيلي الراحل مناحم بيجن «لولا دير ياسين لما كانت إسرائيل»، وقد أثرت هذه الواقعة على نفوس سكان المدن والقرى الفلسطينية الأخرى والتي بدورها نزحت من فلسطين إلى خارجها، وهو ما كانت تريده إسرائيل بالضبط.

بعد وصول بعض أهالي دير ياسين إلى القدس استقبلتهم الصحف المحلية وقتذاك لسرد قصصهم، لم تكن روايات أكثر الناجين سوى أن أبناءهم قتلوا بالرصاص، لكن بعض المزايدين على القضية منهم طلبوا من الناجين المبالغة في سرد أحداث المذبحة، يقول أحد الناجين من أبناء دير ياسين خلال مقابلة على قناة BBC البريطانية، إن الإسرائيليين لم يقوموا بإجهاض النساء الحوامل كما أشاع بعض المزايدين، لكن بعض قادتهم طلبوا منهم التصريح بذلك لاستعطاف الرأي العربي تجاه القضية، ولكي تقوم الجيوش العربية بمساعدتهم.


يقول الإعلامي والسياسي «حازم نسيبة» في البرنامج الوثائقي «خمسون عاماً من الصراع العربي الإسرائيلي» الذي أذيع العام 1998، إن «المبالغة في سرد هذه المذبحة كانت أكبر أخطاء الفلسطينيين؛ لأنها ولدت الرعب في نفوس القرى والمدن الأخرى الأمر الذي دفع أبناءها للهجرة». قبل هذه الحادثة كانت التركيبة الديموغرافية في هذه المنطقة لصالح الفلسطينيين وهو ما كانت تخشاه إسرائيل.

كانت الدول العربية ومنها الخليجية متعاطفة تماماً مع اللاجئين الفلسطينيين، لذلك أمر الملك عبدالعزيز رحمه الله بتقديم كافة العون لهم، وهو ما عبر عنه الرئيس الفلسطيني محمود عباس قبل أشهر بأنه تلقى اتصالاً من الملك سلمان –حفظه الله- أخبره خلاله أن المملكة تقف جنباً إلى جنب مع القضية الفلسطينية منذ زمن الملك عبدالعزيز ولن تتخلى عنهم.

كانت دول الخليج من ضمن الدول التي استضافت اللاجئين الفلسطينيين، وقد قامت قيادة المملكة-وقتذاك وإلى الآن- بتقديم كافة الرعاية لهم، كما سمحت لأبنائهم بالالتحاق بالمدارس والجامعات، كما قامت بعض دول الخليج بمنح العديد منهم الجنسية، لولا تدخل الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات طالباً من الدول العربية -ومنها الخليجية- بوقف منح الفلسطينيين الجنسية، لأن ذلك سيسهم في مسخ الهوية الفلسطينية وسيساعد في الإضرار بها.

لا شك أن أكثر من أضر بالقضية الفلسطينية هم المزايدون بشأنها، والذين باعوا القضية بثمن بخس -ومنهم صبري البنا المعروف بأبي نضال- وغيره من أمثاله، أضف إلى ذلك تصريحات بعض المسؤولين الذين يحاولون التجمل أمام شعبهم، من خلال تجيير أخطائهم وإسقاطها على دول كانت أول من مدت يدها للشعب الفلسطيني.

قبل أيام شن أحد السياسيين الفلسطينيين هجوماً على دول الخليج من خلال كلمات لا تخلو من الاستفزاز «فش فش» ولعل السبب الرئيسي في ذلك هو الحملة الشعواء ضد الإمارات بسبب اتفاقية السلام التي أبرمتها مع إسرائيل، والحقيقة لا أعلم هل نسي أم تناسى هذا السياسي المناضل أن زعماءه وضعوا يدهم في يد زعماء إسرائيل قبل قرابة ثلاثة عقود مضت من أجل السلام، فلماذا يحرم هؤلاء ما أحلوه لأنفسهم؟

من المؤكد أن قادة المملكة العربية السعودية والإمارات لا يبالون بمثل هذه التصريحات، والتي لا تعدو كونها واحدة من ثلاثة احتمالات، وهي إما زلة لسان، أو محاولة لتجيير الأخطاء، أو سعي لتملق الرئيس الفلسطيني، عموما.. العلاقات بين الفلسطينيين ودول الخليج ليست علاقة دبلوماسية فحسب، بل هي علاقة أخوة ومصاهرة بين شعوب يجمعها تاريخ واحد ومصير مشترك، ومن المؤكد أن أي اتفاقية سلام توقعها دولة خليجية مع إسرائيل دون أن تصب في نهاية المطاف في مصلحة الشعب الفلسطيني ستكون مجرد حبر على ورق.

يبدو أن -بعض- السياسيين الفلسطينيين يصرون على الإضرار بقضيتهم وبشعبهم من خلال الإدلاء بمثل هذه التصريحات المستفزة، فعلى سبيل المثال عندما قرر الفلسطينيون الذهاب إلى أوسلو اعترض الزعيم الليبي السابق القذافي على هذه الخطوة، والتي قابلها رد فلسطيني حاد بأنه شأن داخلي لا علاقة للقذافي به، فما كان من الزعيم الليبي الأحمق إلا أن أمر بطرد الفلسطينيين من ليبيا بعد أن قام بوضعهم على الحدود.

لم تتدخل المملكة والإمارات يوماً في مسار القضية الفلسطينية إلا بطلب من الجانب الفلسطيني، ولم تتخل أي منهما يوماً عن مبادئها تجاه هذه القضية، لكن مستقبل علاقاتهما الدولية، وما تقتضيه الظروف المحيطة الإقليمية والدولية هي في المقابل شأن داخلي، ربما تكون التصريحات الأخيرة للمسؤول الفلسطيني مؤلمة وجاحدة، ولكن وللأسف.. قد تجد في هذا العالم أناساً أعينهم تفيض بالنفاق، يُصادقون ثم يطلبون منك أن تعادي مَن صادقوهم، تُطعم بعضهم ثم يمن عليك بأنه هضم طعامك، يتسلل ويتخطى الحواجز حتى يقف خلف ربان السفينة، فإن وصلت السفينة لشط الأمان شارك الربان النجاح، وإن أوشكت السفينة على الغرق كان أول من يقفز منها.

كاتب سعودي

Prof_Mufti@

dr.mufti@acctecon.com