-A +A
يحيى الامير
كان التقرير الذي صدر الأسبوع الماضي الذي يكشف الارتفاع في نسب التوطين بين الرجال والنساء السعوديين خلال السنوات الأربع الماضية، وكيف استقبل سوق العمل تلك الأعداد الكبيرة من المواطنين والمواطنات في مختلف الأنشطة والوظائف.

في الواقع إن سوق العمل السعودي تغير كثيراً خلال السنوات الأربع الماضية وتغيره ذلك إنما يمثل انعكاساً للتغير المجتمعي والاقتصادي والتنموي الذي تقوده رؤية السعودية 2030 وفق منهج ومسار جديد ونوعي.

ظل سوق العمل في السعودية مرتعاً خصباً للأجانب الذين استحوذوا على شريحة واسعة من الوظائف في القطاع الخاص، في ظل وجود مجموعة هائلة من الوظائف والأعمال لم تكن جاذبة للرجال ولم تكن متاحة للنساء، عدم الجذب للرجال مرده إلى وجود أنظمة وتشريعات تنقصها المرونة والتحفيز وغير متاح للنساء بسبب حزمة المحرمات التي ظلت تهيمن على المجتمع والتي حصرت الوظائف والأعمال النسائية في دوائر ضيقة. لذا ظل سوق العمل في حاجة إلى الكوادر الأجنبية بينما كانت قطاعات بأكلمها مغيبة عن المشهد التنموي بأسره مثل قطاع الترفيه.

منذ أربع سنوات تحول المشهد على مختلف الأصعدة؛ تم وضع أنظمة جديدة وتحديث أنظمة قائمة كلها خطوات تخدم الرؤية التي تنطلق من مجموعة من القيم والمفاهيم والنظريات التي أسست بعد ذلك لكل هذا التغيير.

أول هذه القيم أن الدولة دولة وطنية تنموية مستقبلية وليست دولة ريعية أبوية. ثانياً: تلتزم الدولة انطلاقاً من قيمها تلك بتوفير الفرص للجميع وبالتساوي دون تمييز جنسي أو غيره، ثالثاً: تنطلق الدولة في كل ذلك من قيمها وثقافتها الإسلامية والاجتماعية المعتدلة الواعية دون الاتكاء على آراء وأحكام فقهية قديمة غير واقعية، تنطلق الدولة أيضاً في كل ذلك من إيمانها بموقعها المحوري في العالم اقتصادياً وسياسياً، وأخيراً تنطلق من قيمة عليا هي إيمانها بإنسان هذه الأرض وطموحه وحيويته وتحضره واعتباره عنصر القوة الحقيقي والثورة الأبرز.

هذه القيم هي التي تفسر تلك التغييرات العظمى التي أحدثت أسرع إيقاع عرفته السعودية في تاريخها وفي مختلف جوانب الحياة.

لن تتمكن أبداً من تنمية سوق العمل وخفض البطالة وأنت تغلق جانباً كبيراً وحيوياً من الأعمال في وجه نصف المجتمع، واليوم وأنت تزور المجمعات التجارية والمحلات العامة في مختلف مدن المملكة تشهد نماذج مبهرة من الشباب والفتيات العاملين في وظائف تدر عليهم دخلاً وتكسبهم خبرة وتجعل منهم عناصر فاعلة في الاقتصاد والتنمية.

المثال الأبرز أيضاً هو ما شهده قطاع المنشآت الصغيرة والمتوسطة من قفزة كبرى استطاعت معها الهيئة أن تستخرج كوامن الطاقات والعقول الشابة الطموحة وشهد العمل الحر تنظيمات وقوانين جعلته من الأسهل عالمياً.

يتحرك الشباب اليوم بمسؤولية وبشغف عال بعد أن مهدت لهم المؤسسات المعنية واقعاً جديداً للعمل والكسب والابتكار والدعم، لقد انتهت أزمنة المعاملات الطويلة للحصول على ترخيص ما أو البدء بنشاط ما. لقد انتهت أزمنة الاشتراطات العتيقة وأنظمة الفصل بين الرجال والنساء وإقفال المحلات واتساع دوائر المخالفات وأصبح كل شيء واضحاً ومنظماً بالقانون.

إن الحريات والقوانين والمساواة ومكافحة الفساد ومواجهة التشدد والتطرف وبناء إيقاع مدني وطني هو ما يصنع المستقبل ويحدث التغيير ويؤسس للاستقرار ويبني طرقاً نحو الغد، ولقد كانت السنوات الماضية رغم كل ما فيها تحديات حافلة بكل تلك العوامل المدنية الحية ولذا نقدم اليوم نموذجاً حيوياً ناجحاً وتنمية واقعية مستقبلية وايقاعاً غير مسبوق كل هذا وسط هذا العالم المضطرب وما يعيشه من أزمات.. إنه وعي الدولة المدنية.