-A +A
طلال صالح بنان
إثيوبيا مصممة على بدء ملء السد، سواء تم ذلك باتفاق مع دول المصب (السودان ومصر)، أم لا. كما أن الحكومة الإثيوبية تتصرف، وكأن فرع النيل الأزرق، المقام عليه السد نهرٌ محلي، مخالفةً بذلك القانون الدولي، الذي يعتبر أن النهر تمتد ملكيته إلى ما وراء منبعه، إذا ما عبر إلى مصبِه، ماراً بدولٍ أخرى.

إثيوبيا، أيضاً: لا تراعي مصالح دول المصب، في حصولها على نصيبها التاريخي من مياه النهر.. وتتعمد الإضرار بأمن الأخيرة القومي، وبأمن المنطقة واستقرارها. عند اكتمال السد، سينخفض نصيب مصر من 55 مليار متر مكعب سنوياً، بموجب اتفاقية 1959، إلى حوالى 30 مليار متر مكعب، مما يهدد مصر بالعطش، بالإضافة إلى احتمال تعطيل إنتاج الكهرباء من السد العالي.


هناك، إذن: مخاطر وشيكة وناجزة تهدد أمن مصر القومي، بسبب بناء السد. مهما كان منطق جدلها في حاجتها تنموياً للكهرباء، إثيوبيا، باختصار: تتعامل مع الأزمة، بعقلية رأسمالية مجحفة وشرسة. أديس أبابا تسعى للتربح من إنتاجها للكهرباء.. وكذا من تحكمها في كمية المياه المتجهة لدولِ المصب!

قد يجادل البعض، أن الوقت قد فات لعملٍ ما تجاه هذا التعنت والاستهتار الإثيوبي، وما على دول المصب، خاصةً مصر، إلا أن ترضخ للأمر الواقع، وترهن مصير أمنها القومي، بقطع الشريان، الذي أمدها بالحياة، طوال تاريخها الحضاري الممتد لسبعة آلاف سنة. حيال هذا الخطر الناجز والوشيك على أمن مصر القومي لابد من اللجوء إلى وسائل أكثر فاعلية وعملية، للتعامل مع المشكلة. لن يلوم العالم القاهرة لو عدلت من قائمة بدائلها، بعد أن جربت كل الوسائل السلمية الناعمة.

مصر وقبل شروع إثيوبيا في ملء السد، أمامها فرصة أخيرة، لتحقق هدفها من إدارة الأزمة، بالذات في قضية ملء السد.. وربما تحسين وضعها التفاوضي، في التأكيد على حقها التاريخي من نصيبها في مياه النهر، بل وحاجتها المتزايدة منها، مستقبلاً. يحتاج الأمر لتطوير إرادة سياسية فاعلة وماضية للتعامل مع الأزمة بمستوى خطورتها الإستراتيجية، الوشيكة والناجزة.

بإمكان مصر أن تعطل مشروع السد وتجعله خارج الخدمة، لمدة طويلة حتى يتم التوصل لحلٍ، يحقق مصالح جميع الأطراف، عن طريق التفاوض. بإمكان سلاح الجو المصري أن يستهدف غرف توربينات السد، دون التعرض لجسم السد.. وتلك التوربينات التي لم يتم تركيبها بعد، قبل الشروع بملء السد، الذي يحتاج إلى كمية من المياه تقدر بـ85 متراً من ارتفاع السد البالغ 155 متراً، وصولاً لفتحات غرف التوربينات، للبدء في تشغيلها.

لا شك أن هذا قرار خطير، ويمكن أن تكون تكلفته عالية جداً، ويحتاج إلى دراسة متعمقة للموقف، من جميع الجوانب، خاصةً أن هناك أطرافاً دولية وإقليمية، مستثمرة، سياسياً ومالياً واستراتيجياً، في مشروع السد. لكن تكلفة السماح بجعل السد واقعاً عملياً، يمكن أن يشكل خطراً وجودياً لمصر الدولة والحضارة، تتضاءل معه التضحية بأية تكلفة، مهما بلغت ضخامة عبئها وعظمت المخاطرة بالمجازفة بها.

التاريخ لن يتسامح، مع أي تهاون في التعامل مع المشكلة، بمستوى خطورتها الإستراتيجية، على أمن مصر القومي (الوجودي).

كاتب سعودي

talalbannan@icloud.com