-A +A
علي مكي
تضايقني بين الحين والآخر الانتقادات والملاحظات على الكتابات الناقدة، وأنها، أي هذه الكتابات، سواء في الصحف أو في (السوشيال ميديا)، لا تهتم سوى بالسلبيات التي هي قليلة ولا تساوي شيئا أمام زخم الإيجابيات الوفيرة!

ولهؤلاء المنتقدين الملاحظين، خاصة تجاه ما أكتبه شخصياً، أعترف بصدق ما ذهبوا إليه، حيث لا أكتب إلا عن السلبيات بغرض تلافيها، فليس لي عدو غيرها ولن أتسامح معها في يوم من الأيام. سيخرج من يقول -وقد خرج بعضهم معلقا على كتابات سابقة- إنه ليس متشائما بتلك الدرجة التي أبدو عليها، فما زلنا أقل سلبيات وأخطاء عن غيرنا، حسب ما جاء في تعليق بعض الزملاء الكتُاب في «تويتر»! ولا أقول سوى إن القليل السيئ يكثر ويتسع إذا لم تتعقبه وتتابعه وتحاصره، فعندما تكون هناك تفاحة واحدة (فاسدة) داخل صندوق تجاور فيه عشرات التفاحات.. وتركت الفاسدة أو تغاضيت عنها لضآلتها، ألن يفسد بقية الصندوق وتصبح من النادمين بعد ذلك؟ وهكذا السلبيات حين تجاور الإيجابيات، لا يمكن للأولى أن ترتاح وتهنأ حتى تطبع الأخرى بطابعها.


إن النغمة المتكررة «نحن الأقل سوءاً، نحن الأخف أخطاء» مع ما يقابلها من نغمة أخرى «نحن الأفضل أو الأول... إلخ» لا تشحننا بأية قوة أو ثقة، بل إنها تخدرنا وتقعدنا عن مواصلة العمل في تحسين أوضاعنا.. وفي هذه النغمة بالذات ما يهيئ المسرح ويفسحه واسعا لأن تجاهر الأخطاء بممارسة رقصها الخليع (المسفهلّ) الخارج على الأعراف والآداب والقوانين وعلى كل مألوف بلا رقيب أو حسيب. ثم من قال إننا متشائمون حين نخصّصُ أغلب الحديث، إن لم يكن كله، للسلبيات؟ بالنسبة لي، ليس غير تفاؤلي بتبدل الحال هو المحرض على مواصلة الكتابة عن السلبي، لأنني ببساطة، أصون الإيجابي وأذود عنه في هذه الحالة؟!

أما بالنسبة للذين يهاجمون الصحافة وكتابها متذرعين بأن ما يكتب (ليس نقدا) بل تجريح واستفزاز يطال الأشخاص، فلماذا لا يوضحون لنا معايير النقد الذي يعدونه ملائماً، بوضع أو استحداث نموذج كي (نمشي) عليه؟

لا أسخر قدر ما أتعجب من هذا السعي المحموم لتكسير مجاديف النقد وصولاً إلى تعطيل دوره المهم في البناء، مموهين بما ينتجه (تأويلهم الخاص) لما يكتب بأنه تجريح واستفزاز للأشخاص! إنه لا علاقة لي ككاتب بتفسيراتهم واستنتاجاتهم، أنا مسؤول عما أكتبه، والقارئ، أي قارئ، حر في أن يفهم ما يشاء، فلست وصيا عليه.

هل يدري هؤلاء كيف أصبح اليابانيون غداة الحرب العالمية الثانية، أسياد العالم؟ لقد تحقق لهم ذلك «من خلال تحويلهم النقد إلى مصدر منهجي للمعلومات، فعندما ترسلون استمارة الضمانة المرفقة بأحد منتجات شركة يابانية مشهورة من أجل طلب تعويض (ما)، ترسل نسخة من هذه الاستمارة تلقائيا إلى دائرة خاصة تقوم بتحليل الشوائب المذكورة وتستخلص منها المعلومة الضرورية لتحسين الإنتاج، ويشكل استغلال الأخطاء المرتكبة أحد المفاهيم الأساسية في أسلوب الإدارة management حالياً، والمعروفة تحت اسم الجودة quality، والذي أتاح لليابانيين التفوق على الأمريكيين في عقر دارهم. ويتمثل هذا الأسلوب في عملية متواصلة من التحسين والسعي الدؤوب لتحقيق أعلى مستوى من الجودة عن طريق عزل مصدر الخطأ. والهدف من هذا الأسلوب بلوغ المستوى «صفر» من الأخطاء zero defect الذي تعبر عنه اللغة اليابانية بكلمة kaizen. وهذا هو النهج الذي أهتم به شخصيا، أي بلوغ الكمال باستعمال الأخطاء والانتقادات الشخصية كمصدر للمعلومات».

فعندما تواجه نقداً، أياً كان مصدره، داخلياً أم خارجياً، يجب عليك أن تستوعبه بهدوء، ثم تقوم بالتحليل لاحقاً، ببرودة أعصاب، كيما تفصل مشكلتك الخاصة عن مشكلة محاورك الذي غالبا ما يستغل عيبك للتقدم والسيطرة عليك!

تجربة الشركة اليابانية تصلح لتطبيقها في جائحة (كورونا) لدينا، فلا بدّ من عزل مصدر الخطأ ونفيه تماماً!

كاتب سعودي

ali_makki2@