-A +A
محمد الساعد
لم يكن القرار السعودي برفع إنتاجها إلى سقف قياسي، منفصلا عن سياسة سعودية جديدة بدأت تتشكل بوضوح خلال السنوات القليلة الماضية، وهي رؤية تعلي المصلحة الوطنية فوق أي اعتبار.

القرار يؤكد أيضا أن الاقتصاد العالمي له أسياده، ومن لا يرى سيادة الرياض فعليه أن يراجع حصته السوقية اليوم، نادي الكبار الذي يتشكل اليوم من رحم الأزمة النفطية وتداعيات جائحة كورونا والانحسار الاقتصادي الذي تبعها هو من سيقود الاقتصاد والسياسة العالمية في العقود القادمة.


اليوم تقرر الرياض أن تكون هي اللاعب الرئيس في سوق الطاقة وهي من يتحكم في الإنتاج والأسعار، وعلى الجميع الجلوس على طاولتها، وسيغدو التصريح الذي يصدر من مكتب وزير النفط السعودي هو الميزان الذي تحتكم إليه أسواق النفط في العالم.

ودعونا نعطي ثلاثة نماذج للتعاطي السياسي السعودي الجديد:

أولا.. العلاقة مع قطر، كانت الرياض طوال الأربعين سنة الماضية تؤثر على نفسها وتقدم مصالح صغيرة لبعض دول الخليج على مصالحها، وتتغافل عن كثير من الزلات والخروقات المرتكبة بحقها، وكثيرا ما قالت إن بقاء البيت الخليجي أهم من اقتصاصها لحقها من الجرائم الفادحة التي ارتكبها البعض وعلى رأسهم قطر.

جرائم وصلت لحد تهديد استقرار السعودية بل والانقلاب عليها والتحالف مع أعدائها ومحاولة اغتيال قادتها والتحريض عليها في المحافل الدولية، لم تكن أبدا خلافات سياسية أو وجهات نظر في ملفات يمكن تجاوزها، بل كانت عميقة لدرجة أن تلك الأفعال تندرج تحت طائلة الحرب.

وبعيدا عن سرد أفعال قطر المعروفة للجميع، وجدت الرياض أنها أمام خيارين لا ثالث لهما، إما الاستمرار في سياسة التضحيات التي لم تقدر من أشقائها، -بل اعتبرها البعض ضعفا وترهلا سياسيا، وراهنوا على أن تلك السياسة ستسقط السعودية كما قال حمد بن خليفة في شريط تآمره مع القذافي-، أو انتهاج سياسة تعلي مصلحة المملكة تحت شعار «السعودية أولا»، وهي رؤية تنطلق من أن الخائن سيبقى خائنا ولن تزيد مقاطعتنا له خيانة بل هي رفع الغطاء عنه وكشفه للجميع.

النموذج الثاني.. كان مع كندا التي انخرطت في مشروع أكبر منها لاختراق المجتمع السعودي واستقطاب الآلاف من صغار السن لتحويلهم إلى معارضين لوطنهم وبناء منظومة مناوئة للمملكة بالمشاركة مع تركيا وقطر ومنظمات يسارية، وقد بدأت تلك العملية فعليا باستقطاب عشرات الشباب والفتيات المغرر بهم وتسهيل تهريبهم والاحتفاء بوصولهم، ودعم أنشطتهم وإدراجهم فورا في تنظيم سري مدعوم ماليا ولوجستيا، بل كان بعضهم منتمين أساسا لمنظمات إرهابية كالقاعدة مع ذلك سهلت لهم كندا حق الإقامة والحماية، وقد كان الرد السعودي قاصما، أعاد كندا إلى رشدها وتوقفت عن كثير من ألاعيبها.

النموذج الثالث.. هو الموقف من اتفاق النفط مع روسيا فعلى الرغم من العلاقة المميزة مع موسكو إلا أن الرياض رفضت أن تنجر لنفس اللعبة القديمة لمنتجي النفط وهي أن تتحمل السعودية كل العبء من أجل استقرار سوق هم بالأساس من يخرقونه، رافضة هذه المرة أن تأخذ على عاتقها أخطاء المنتجين من أجل أن تبقى السفينة البترولية عائمة ولا تغرق.

التجارب النفطية السعودية في الثمانينات وما بعدها كانت مريرة جدا ولم يسأل أحد عن اقتصاد السعودية الذي عانى من أسعار هبطت إلى سبعة دولارات.

اليوم لا يفهم الآخرون إلا لغة القوة والإصرار على المصلحة الوطنية، وعلى الجميع أن يلحق بنا يفاوضنا، فالمفاوضات من مصدر قوة يختلف تماما عنه من موقف مجاملة.

لا شك أن علاقة الرياض مع شركائها في نادي الكبار ستبقى قوية ووثيقة، فالرياض تؤسس لمبدأ يقوم على أن الخلاف في ملفات لا يعني بالضرورة انشقاقا سياسيا أو عداء، بل هو جزء من شكل السياسة السعودية الجديدة التي استبدلت القفاز الناعم بيد صارمة حازمة تمد يد السلام والتعاون والشراكة لمن يريدها، وتتعامل من مبدأ مصلحتها العليا لمن لا يفهم إلا تلك اللغة.

* كاتب سعودي

massaaed@