-A +A
فؤاد مصطفى عزب
في الوقت الذي يسبح العالم من المحيط إلى المحيط في بحر كورونا، وسرعة موجه العاتي، بين عالم يغني من شرفات بيوت إيطاليا، ورائحة الموت في شوارع صينية، وتخبط في قم الإيرانية، ناهيك عن تردد ترمب في مواجهة هذه المعضلة الكونية، لتصبح الخاتمة الإنجليزية التي تقول ودعوا أحبابكم فكورونا لا تبقي ولا تذر، أنهض من سريري كعادتي الصباحية في السابعة تماما، أبدأ يومي بنوبة سعال حاد، تنهيها الرشفة الأولى من قهوة الصباح، أشعل غليوني، وأبدأ في استعادة توازني، هذه شقتي، وأنا ما زلت هنا في حي الشاطئ الهادئ، حيث لا زحمة ولا ضجيج، ولا شيء يكسر السكون، غير اتصالي ببعض الأصدقاء، الشكر موجه إلى كورونا، الذي اجتاح العالم بأسره، وحوله إلى أمة «تتقلب على جمر النار» ليس من الحب الذي وصفه بيرم التونسي، وتغنت به أم كلثوم، ولكن من خطورة الوضع، حيث سارعت الحكومات إلى تحذير مواطنيها من مغبة الخروج من منازلهم، ومنحت الموظفين إجازات طارئة، وأغلقت المتاجر والأسواق أبوابها، وتوقفت الشركات عن العمل، وغاب التلاميذ عن مدارسهم، واتجهت بلدان إلى حظر التجول، وأغلقت بلدان حدودها، وأوقفت الملاحة منها وإليها، الجوية والبحرية والبرية، وتخلت دول عظمى عن مواطنيها، الذين احتجزوا خارج أوطانهم، وعوملوا معاملة الغرباء، لا يعلمون أين المسير وأين المصير، ترتعش أطرافهم من فرط الخوف الموجع من الفاقة والحاجة، أصواتهم المتعبة أصبحت كالسهم يخرج من قوسه ولا من مجيب، والمناديل تساقطت من أيديهم وهم يلوحون للمسؤولين وحتى تيبست أكفهم، أصبحوا ينظرون إلى كل شيء يطير إلى أوطانهم كحمامة مقصوصة الجناح والوريد، تحولوا إلى عام جوع، وفصول قهر، يديرون أبصارهم في هذا العالم الغريب، كشاة تتلفت في السوق في محاولة تفسير صعب لإيضاح مستحيل، والتفسير الصعب، هو أن هذه الدول الكبيرة، التي اكتشف منها القمر وغيرها المريخ والزهرة وتوابعها، هي التي تخلت وتركت هذه الأرواح، وبقسوة بعيدة معزولة عن أوطانها، دون عون أو مساعدة، جعلوها تحمل الشتات والخوف في جوفها، هذه الأرواح كانت تتخذ من الأفلاطونية ديناً، ومن المدينة الفاضلة وطناً، لا تستطيع أن تقبل اليوم كيف أصبحت بلا وطن، بلا حب، بلا سلام، بلا حقوق إنسان!! ذلك الشعار الكبير الذي دافعوا عنه وبلا هوادة، تلك البلدان، بل واستخدم كمكائد تحاك للدول في الخفاء والعلن، ولكم من الكمائن والتطاول والترصد، ومنصات القذائف وإشاعات البهتان التي أسست، تحت مظلة تلك القيم، وبحسن نية، يمكن لكاتب سيئ الظن مثلي، أن يجد في هذا اليوم مناسبة للمقارنة بين ما يحدث لهذه الأرواح البريئة التائهة، وما تقدمه حكومة المملكة العربية السعودية لمواطنيها، ممن وقعوا في نفس المأزق، يحدثني أحد الأقرباء الابن «ريان فوزي صالح عزب» يصف السفارة السعودية في جنوب إفريقيا، التي تحولت إلى بيت المواطن في الخارج وعزوته، والنافذة التي يطل منها على مكارم الأخلاق، أشخاص يعملون على مدار الساعة، يجيدون احتراف العطاء ألا محدود والطمأنينة، يشعون في الفنادق حيث يقيم المواطنون في أرقى الفنادق، كضوء سراج الجبل، لكل مواطن في قلبهم حجرة، ولكل تائه مخرج وملجأ، كأنهم حضن لا ينمو فيه غير الفرح، لن أصل أبدا إلى وصف روعة العاملين في كل سفارات المملكة في الخارج، لن أصل أبدا لفهم قدراتهم العظيمة، على احتواء المواطنين في الخارج وتلبية جميع احتياجاتهم، ولكن دعوني أختصر لكم في جملة ما يفعلون، إنهم الوجود في أظرف حلله، والحياة بسلس العبير، مرة أخرى أثبتت السعودية لمواطنيها وللعالم، بأنها قريبة من مواطنيها وإن بعدت المسافة وتأزم الموقف وكشرت الحياة، صحيح أنني رجل تجاوزت الستين، وأعاني من أمراض شائعة، ومضطر لتناول المسكنات، لأنني تقدمت في السن، ولم تعد أعضاء جسدي قادرة على أداء وظائفها الحيوية كما ينبغي، لكنني على الأقل، أجاهر بضعفي ولا أحاول إخفاءه أو تجميله، بينما تصر بعض الحكومات التي كشفتها هذه الأزمة، وكانت تنادي بحقوق الإنسان والحيوان والطيور والنسانيس، على التباهي بقوة، وجسد خال من الأمراض، وقدرتها على منح مواطنيها أقصى الحقوق، وتفيض بتصدير الرغبة في جعل بقية الدول منح مواطنيها تلك الحقوق، لقد انتصرنا في صراع الأمم، وسننتصر -بإذن الله- على هذا الفايروس اللعين، وأثبتنا بأننا أسياد الولاء لمواطنينا، في الخارج والداخل، وأن لدينا قيما وأخلاقا، لا تقبل التغير والتبديل، لقد توجنا كورونا كبطل عالمي في رفع أثقال الأزمات، وكشف الآخرين ممن هم في الواقع، جبل جليدي فوق الماء تتشقق أطرافه ما أن يلمس اليابسة، ويذوب حجمه تحت أول مطر!!

* كاتب سعودي

fouad5azab@gmail.com