-A +A
محمد الساعد
هل تتذكرون محمد عطا..؟ دعوني أنعش ذاكرتكم قليلاً، هو قائد الانتحاريين التسعة عشر الذين قاموا بعمليات تفجير برجي التجارة والبنتاغون في نيويورك وواشنطن العام 2001، تقول التحقيقات التي خرجت للعلن إثر الحادثة من ثلاثة مصادر، هي الصحافة وأجهزة الأمن الأمريكية والألمانية، عرف عن محمد عطا خلال إقامته لمدة عشرة أعوام في ألمانيا أنه واحد من أبرز الشباب المصري متعدد المواهب ومن أهم القيادات الشابة في جماعة الإخوان المسلمين.

لقد اختير بعناية فائقة لقيادة الفريق الانتحاري؛ لأسباب عدة، من أهمها تحويله ليكون أيقونة الشباب في تلك المرحلة عند الجماعة، وخصوصاً عند الرأي العام الذي سبغ الجماعة بالمظاهر الطقوسية، إضافة إلى هدف إستراتيجي ينقل العمل العسكري إلى شريحة الشباب من غير المنخرطين في الجماعات الإسلاموية أو من يطلق عليهم بقايا الجهاد الإسلامي في أفغانستان، ومن عادوا إلى بلدانهم وعملوا تحت إمرة أسامة بن لادن والظواهري.


محمد عطا المؤهل لمستقبل باهر ومن يتحدث الألمانية والإنجليزية بطلاقة، ترك كل ذلك وراءه لتنفيذ مشيئة الجماعة «الانتحارية» دون تفكير أو تردد.

عطا من عائلة متوسطة درس الهندسة المعمارية في جامعة القاهرة، وتخرج العام 1990، قبل أن يواصل دراسته بألمانيا في جامعة هامبورغ للتكنولوجيا، في هامبورغ تعرف على قيادات إخوانية مرتبطة بمسجد القدس المحسوب على التنظيم الدولي للإخوان حيث تم تجنيده، اختفى عطا من ألمانيا لفترات من الوقت أمضى بعضها في أفغانستان حيث التقى بأسامة بن لادن وغيره من قادة تنظيم القاعدة.

انتقل عطا إلى الولايات المتحدة الأمريكية في يونيو عام 2000، ومن هناك بدأ التحضير للقيام بأكبر عملية إرهابية في التاريخ ذهب ضحيتها ما لا يقل عن 4000 بريء.

اليوم يقوم وائل غنيم أيقونة الانقلاب الإخواني الذي حدث ضد الدولة المصرية في 2011، بنفس الدور الذي قام به محمد عطا سابقاً مستخدماً الأدوات نفسها، عملية انتحارية ولكن بصورة مغايرة تماما لصالح التنظيم.

وائل غنيم الشاب المتعلم مدير مكتب شركة قوقل في الشرق الأوسط العام 2010 رشحه أوباما ليكون رئيساً لمصر، اندفع بعد استعادة الشعب المصري لدولته إثر ثورة 2013 في الدفاع عن جماعته ومحاولة إعادة تمكينها، لكنه اختفى من المشهد رغم إمكانية أن يحصد مستقبلاً وظيفياً ممتازاً، لقد غلبته حزبيته فانتهى.

ظهر غنيم خلال الأسابيع الماضية مستبقاً بعض الحراك المفتعل في الشارع المصري على شكل شاب مهزوم مضطرب يوحي في تسجيلاته الموجهة بدقة بأن سبب انهياره وانجرافه نحو الهاوية هو إحباطه من عدم قدرته على تحقيق نتائج لصالح الشباب المصري، الأمر الذي حوّله إلى شاب يشرب الحشيش علناً ويوثق ذلك في فيديوهات، ربما لا يعلم الكثير أنه يتعاطى المخدرات المسموحة في بعض المدن الأمريكية.

هو نفس السيناريو عندما قام محمد عطا بعد وصوله إلى الولايات المتحدة بشرب الخمور علانية وارتياد المراقص والنوادي الليلية والتعرف على النساء، كان الهدف عدم إثارة الشك وإقناع الأجهزة الأمنية الأمريكية في حال كانت تراقبه بأنه شاب غير محسوب على المتدينين وصاحب سلوك منحرف، وهو هدف غنيم اليوم ولكن لكيلا يثير شك الشارع المصري منه.

لم يتوقف سيناريو «غنيم» عند ذلك الحد بل انتقل للخطة 2 عندما ظهر مهاجماً القنوات الإخوانية التي تبث من تركيا ومنتقداً بحدة بعض قيادات الإخوان -غير المصريين- وهو تحرك معروف وتنتهجه الجماعة ضمن المسموح به إخوانياً في تقديم أضاحٍ للوصول للهدف الأخير.

السؤالان المهمان: لماذا يتعاطى وائل غنيم مع القنوات الإخوانية مادام مستقلاً وانسلخ من تبعيته لهم كما يقول..؟ ومن أين يأتي وائل المحبط المنهار بقيمة المخدرات النظيفة المسموح بها في شوارع مدينته والشقة الفارهة التي يصور منها..؟

اليوم تحول غنيم إلى أضحية جديدة مستعدة للانتحار كما محمد عطا منهياً مستقبله وصورته لخدمة هدف بعيد لجماعته، لا شك عندي أن غنيم سيتراجع عن انحرافه ويعلن توبته، وهي في حقيقتها ليست سوى مرحلة غسيل مؤقتة يخفي فيها علاقته العضوية بالإخوان ليؤدي واجبه الحزبي ولو على نفسه.

* كاتب سعودي

massaaed@