-A +A
بدر بن سعود
في 23 ديسمبر 2019 صدرت الأحكام الابتدائية ضد المتورطين في قتل الإعلامي جمال خاشقجي، وهذه الأحكام لن تكون قطعية إلا بعد تجاوزها لمحطتي محكمة الاستئناف والمحكمة العليا، وبعدها ستطوى صفحة هذه القضية التي بدأت في 3 أكتوبر 2018، واستمرت لأكثر من سنة وشهرين، وقد وجه الاتهام فيها بقتل خاشقجي لأحد عشر شخصاً من أصل 31 تم التحقيق معهم وحكم على خمسة من هؤلاء بعقوبة القتل قصاصاً لقيامهم بعملية القتل، فيما عوقب ثلاثة بالسجن أربعا وعشرين سنة لتسترهم على الجريمة، وتمت تبرئة اللواء أحمد عسيري لعدم ثبوت إدانته، والمستشار في الديوان الملكي سعود القحطاني لغياب الأدلة التي تربطه بالجريمة من الأساس، ومعهما القنصل السعودي في إسطنبول محمد العتيبي لأنه كان في إجازة رسمية ومع أصدقائه الأتراك بحسب شهادتهم، والأخيرة تمثل الإنابة الوحيدة التي تجاوبت معها تركيا من إجمـالي 13 إنابة قضائية أرسلت إليها، وقد أوضحت النيابة العامة أن السبب في تأجيل الإفصاح عن أسماء المدانين هو انتظار اكتساب الحكم صفة القطعية، واستكماله لكامل الاشتراطات النظامية بموجب نظام الإجراءات الجزائية السعودي.

المملكة كانت شفافة جداً في تعاملها مع هذا الملف من البداية، وقد حرصت في جلسات المحاكمة العشر على حضور عائلة خاشقجي، وسفراء الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن، وممثلي المنظمات والجمعيات الحقوقية، وممثل عن تركيا باعتبارها المكان الذي وقعت فيه الجريمة، ومكنت الإعلام من الحضور، وبالتالي فمن غير المقبول أن يصف الإعلام التركي المحاكمة بأنها سرية وممثل تركيا يسجل حضوره في كل جلسة، إلا إذا كانت العلاقة غير مستقرة بينه وبين حكومة أردوغان، ولم أفهم كيف تتجرأ الشخصيات الاعتبارية الأممية أو بعض الشخصيات العامة، بافتراض أنها تحترم نفسها، على استخدام التخمينات والتوقعات في بناء الاستنتاجات وتوجيه الاتهامات، دون مستمسك أو دليل أو حتى قرينة ثابتة تدعم وتبرر موقفها.


ثم لماذا غاب الضمير الأممي عن أكثر من 100 صحافي قتلوا ما بين عامي 2018 و2019، ولم يستيقظ إلا مع صحافي واحد من المملكة، وكيف يمكن أن نفسر سكوته عن القتل الموصوف بالانتحار لأعداد كبيرة من الصحافيين في السجون التركية، وعن المذابح اليومية ضد المدنيين العزل في إيران وفي غيرها، وتوجد قضايا قتل لصحافيين تزامنت مع قضية خاشقجي في تركيا وسلوفاكيا ومالطا وبلغاريا وأمريكا وإيران، وتشابهت معها في بعض تفاصيلها وما زالت بدون نتيجة، ولم يتكرم الحقوقيون المتحاملون حول العالم بانتقادها أو حتى السؤال عنها.

الدولة السعودية لم تلجأ طوال تاريخها إلى سياسة الاغتيالات في التعامل مع خصومها، ولم تمارس قمعاً ممنهجاً ضد الصحافة وأهلها، ورأس الدولة فيها عرف عندما كان أميراً لمنطقة الرياض بأنه صديق للصحافيين، فهو رغم مشاغله الكثيرة كان يجتمع بهم ويستمع إليهم، وما زال ذات التوجه راسخاً لم يتغير عند خادم الحرمين الشريفين وسمو ولي العهد الذي تخرج في مدرسة والده الملك سلمان، وقد باركت أمريكا والصين ومعظم دول الخليج وجامعة الدول العربية أحكام القضاء السعودي في الجريمة والقائمة ليست نهائية، ولن يبقى إلا من يحاضر عن الشرف والفضيلة في تركيا ويمارس عكسها في ليبيا ومع الأرمن والأكراد، ومن يقمع شعبـه في إيران وشعوب المنطقة العربية عن طريق وكلائه في العراق ولبنان وسورية واليمن، ومن يخصص موازنات مليارية لاستهداف جيرانه في الخليج.

قضية خاشقجي شأن سعـودي داخلي، ولم أفهـم التدخل فيها وعائلته مقتنعة وواثقة من عدالة وإنصاف الأحكام الصادرة، ولماذا الالتفاف على الحقائق والإصرار على حرف الأمور عن مسارها، ونشر تسريبات إعلامية لا يعرف مصدرها، وما هو الهدف من محاولات تفسير السلوك استناداً لتجارب وخبرات خاصـة بأصحابها، ووفق ذهنية إجرامية تحاول إسقاط عيوبها على الآخرين، مع العلم بأن القانون لا يجيز لأي أحد أن يطعن في قضية ما لم يكن طرفاً فيها، ومن يشكك في نزاهة القضاء بالتلميح أو بالتصريح يعرض نفسه للمساءلة.