ابن من أبناء مكة المكرمة البررة ولد ونشأ وترعرع في ربوعها.. توفي والده وهو مازال في طفولته وكفله عمه محمد زين العابدين وكان أخاً لخمس شقيقات وله أخ وأخت من أبيه وأخ وأخت من أمه من السادة آل شيخ جمل الليل. كان عصامياً ورباه عمه تربية محافظة كتلك التي كانت سائدة في ذلك الزمان بمكة المكرمة.. قرض الشعر وهو ابن العاشرة أو أقل وكانت له قصيدة مشهورة مقررة في كتاب المحفوظات في المرحلة الثانوية عن معاناة الجزائر ظلت بعض أبياتها في ذاكرة كثير منا من أبياتها:
دم الضحايا سعير بات يلتهب
دم تفجر منه الثأر والغضب
دم العروبة بركان قذائفه
عزم وهول وإرعاب له شهب
ابتعث إلى مصر للدراسة في الكلية الحربية بالقاهرة وتخرج منها، حيث عاد إلى وطنه ليشارك في عهود كل من أصحاب السمو الملكي وزراء الدفاع، منصور، ومشعل، وسلطان أبناء المؤسس الملك عبدالعزيز آل سعود رحمه الله، ومحمد وفهد ابني الملك سعود رحمه الله في بناء منظومة الجيش العربي السعودي... وتقلد عدداً من المناصب المهمة حيث كان أول قائد للكلية الحربية بالرياض ومن المؤسسين لبرامجها ومناهجها وخط سيرها كما عمل قائداً للعمليات الحربية.. ومديراً للصحة العسكرية وكنت أذكر ونحن صغار في السن كيف أحدث نقلة نوعية في مستشفيات وزارة الدفاع تحدث عنها الناس آنذاك شملت الانتظام والنظام والأعمال والصيانة والنظافة على أعلى المستويات.. إذ كان رحمه الله يمتاز بالجد والحزم والصرامة في عمله وإدارته.. وكان يلقى الدعم اللامحدود من أصحاب السمو الملكي في الارتقاء بأنظمة الجيش العربي السعودي وخدماته ومناهجه.. وهو الذي تبنى فكرة إنشاء مدارس خاصة لأبناء العاملين في القوات المسلحة سميت بمدارس الأبناء وتخرج منها العديد من أبناء وبنات رجال الجيش العربي السعودي. في إحدى المناسبات الخاصة بوزارة الأشغال العامة والإسكان ألقيت جزءاً من قصيدة له يمتدح فيها صاحب السمو الملكي الأمير متعب بن عبدالعزيز آل سعود عندما كان نائباً لوزير الدفاع.. وأثناء جلوسنا مع عدد من المحتفى بهم في تلك المناسبة قال لي سمو الأمير متعب: «إن خالك عفيف النفس» وفي مناسبة أخرى التقيت فيها بصاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن عبدالعزيز أبلغته فيها تحيات اللواء علي.. قال لي «لقد كان خالك يحاول جهده أن يقنعني بأن أنضم إلى الجيش أو أن أصبح طياراً في القوات الجوية». شارك اللواء علي الأمة العربية والإسلامية همومها بالنثر أحياناً وفي كثير من الأوقات بالقصائد الشعرية وصدرت له دواوين شعرية ثلاثة هي صليل، تغريد، وهديل.. وقبل وفاته بأيام صدر آخر ديوان له بعنوان عزف ونزف.. نجد في هذه الدواوين المشاركات الاجتماعية والسياسية والوجدانية والتعبير عما يجيش في صدر الشاعر من هموم ونفثات ونظرات وتطلعات لشاعر حمل هم الأمة العربية والإسلامية وهم بلاده والجيش الذي يمثله حتى سمي رسمياً بشاعر الجيش وكتبت بعض أبيات شعره في صدر صروح مدارس وكليات ومنتديات الجيش العربي السعودي. تداولت مرة الحديث عن شعره مع صاحب الفضيلة العالم والداعية الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله فقال لي «إن خالك أشعر من الشاعر فلان والشاعر فلان من أقرانه وزملائه وشعرهم لا يقارن بشعره». ومن أجمل قصائده في الرثاء قصيدته عند وفاة والدته التي كتبها تحت عنوان «إنها المصيبة» ومن أبياتها:
بالأمس كنت بحجرها أنشودة
أني الغلام أخ البنات المنفرد
واليوم بعد تدللي في حجرها
أضع الحجارة تحت خديها وسد
يا بنت خير العالمين تذكري
أن الرسول أباك قد أرسى الوتد
وفي قصيدة عن النساء والعطف عليهن يقول رحمه الله:
يا معشر الرجال كونوا
للنساء حماتهنه
بعض الرجال جلامد
دمع النساء يذيبهنه
فتذكروا أن النساء
كمثلنا إحساسهنه
وعن الأمة الإسلامية وهمومها له قصيدة منها هذان البيتان:
يا ألف مليون تعد
خسئتموا إن تغلبوا
كغثاء سيل أنتموا
إن تقهروا أو ترسبوا
لقربي من المرحوم فهو خالي وابن عم أبي وجد أولادي أعرف أنه كان يتوق لمزيد من خدمة بلاده ووطنه وأمته ولم تتح له فرصة بعد أن أحيل على التقاعد وهو في أوائل الأربعينات من عمره فعانى كثيراً من الفراغ ولم يفلح في التجارة حيث لم تتفق شاعريته وروحه العسكرية وصرامته التي كان يتميز بها مع ما تستلزمه التجارة من وسائل وأساليب. كان جواداً يحب إكرام الضيف ويحب عائلته وأسرته والصالحين وكان محبوباً من جيرانه وأهل الحي الذي يسكنه والمسجد الذي يصلي فيه من مختلف مناطق المملكة والمقيمين بها على السواء.. وليس أدل على ذلك من البحث الذي أعدته الأستاذة إيمان بنت عبدالعزيز المخيلد ضمن رسالتها للماجستير في كلية اللغة العربية قسم الآداب بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية عن علي زين العابدين.. حياته وأدبه.. حيث تقول في الإهداء «إلى فارس الكلمة وشاعر السيف إلى متنبي عصرنا وقائد جيشنا الوالد اللواء علي زين العابدين ما سطرته أناملي من قليل عنك لا يفي بحقك وعطائك لربك ثم لوطنك وملوكه.. راجية من الله أن تكون لي عودة كبيرة وانجاز أعمق عن أدبك الجم».
كلمة أخيرة عن فقيد مكة المكرمة والمملكة أنه مع كل ما عرف عنه من صرامة وجدية وحزم إلا أنه كان يحمل قلباً رفيقاً رقيقاً... وقد اعتدنا أن نجتمع في عيد رمضان المبارك في داره العامرة بمكة المكرمة وكنت ألقي عادة تذكرة بعد صلاة المغرب ومع قلة ما عندي من وسيلة وأسلوب إلا أنني كنت ألمح الدمع يترقرق من عينيه معتبراً ومتعظاً ومتأثراً.
رحم الله اللواء علي زين العابدين ابناً من أبناء هذا البلد المعطاء في حدود ما أتيح له والفرص التي سنحت له كان عطاؤه غزيراً وشاملاً جعله الله في ميزان حسناته وأثابه عليه وجعل ذريته خير خلف لخير سلف.. «إنا لله وإنا إليه راجعون»..