صفية الجفري
كانت الطالبة الوحيدة التي تكشف عن وجهها في إحدى المدارس الثانوية في المكلا في حضرموت قبل ست سنوات، كان الأساتذة من الجنسين، وفي حضرموت كشف الوجه ليس مظهرا مألوفا، كما أن التفاعل بين الطالبات والأساتذة، نقاشا وسؤالا، قليل جدا، كان أمامي شهر كامل فقط لأستطيع أن أقدّم شيئا ما لطالبات الصف الأول الثانوي، وحصل أول كسر للحاجز المتين المقام بيني وبينهن بسؤالها إياي بعد الدرس: أليس من حقي أن أكشف وجهي ؟ الشيخ القرضاوي أفتى بجواز ذلك.
قالت زميلتها: لكن العرف يا أستاذة في البلد هو تغطية الوجه فلا بد أن تلتزمي به . قلت لهما: أبحث وأعود إليكما بالجواب في الدرس القادم . وبحثت وسألت وكانت النتيجة التي لم أجد اختلافا حولها هي أن الأحكام التي اختلف فيها العلماء تظل احتماليتها ثابتة، وليس للعرف أن يلغي حكما ظنيا لحساب آخر ظني أيضا، وليس أحد القولين من وجوب تغطية الوجه وجواز كشفه بأولى من الآخر قلت لها: لكن إن غطيت وجهك للخروج من الخلاف فهذا أفضل، ولو عادت بي الأيام لما قلت لها ذلك، ليس فقط لأن في قاعدة الخروج من الخلاف خلافا، لكن لأن هناك توجها جمعيا ليس في حضرموت فقط لكن في بلدنا أيضا لجعل تغطية الوجه شعارا للتدين، وسبيلا إلى التفريق بين المسلمين، بحيث تتهم من تكشف وجهها بقلة الدين، و عدم الحياء، فتنقلب سعة الشرع في التشريع إلى تضييق ونمطية، تنميط يحرم الناس حقهم في الحياة التي تحفظ لكل فرد خصوصيته واختياراته في طريقة الحياة التي تلائمه.
ذكر هذا المعنى الشيخ علي جمعة في كتابه البيان لما يشغل الأذهان، وقال إن النقاب في مثل هذه الحال أي إذا جعل علامة على التفريق بين الأمة، أو شعارا للتعبد والتدين، فإنه يخرج من حكم الندب أو الإباحة إلى البدعة المذمومة.
ومثل النقاب أي حكم فيه للمسلمين سعة وأريد قصر الناس على رأي واحد فيه، باعتماد فقه الأرجحية، وحصر الناس في خط واحد إذ ما سوى الراجح اتباعه خلل وتهاون، هكذا في تعميم مخل بمقصد الشرع في رفع الحرج.
وإذا كان الدين يكفل للآخذ بالقول الأكثر يسرا حقه في ذلك، فهو أيضا لم يحرم الآخذ بالقول المتشدد حقه في الاختيار، فنرى أن حفل الزفاف مثلا مع كون إجابة الدعوة إليه واجبة عند الجمهور، فإن هذا الوجوب يسقط إذا كان فيه ما اختلف في حله وحرمته، كالمعازف مثلا، فمن يعتقد حرمة المعازف، تسقط عنه الإجابة حينئذ، وله أن يعتذر إلى أخيه ويبين له اختلافه معه، وعلى الداعي أن يحترم حق المدعو في الاختلاف فلا يشق عليه بجفوة أو غضب لا حق له فيه.
حماية حق الاختلاف في الظنيات هو حماية لقطعي من قطعيات الدين، أسقط كثيرا مقابل الخلط البين بين الفقه والوعظ خلطا يفسد كليهما، وكثيرا ما تنقل عبارات عن القدماء تفهم على غير وجهها فتصب في جريمة انتهاك حق الاختلاف من ذلك لفظ البدعة، وإطلاقه على عواهنه، وقراءته قراءة مبتسرة، ينقل عن الإمام أحمد أن القنوت في الفجر بدعة، فيمتنع بعض الناس عن الصلاة خلف إمام شافعي لأنه مبتدع يقنت في صلاة الفجر، و يشنع على من يجتمعون لقراءة المولد النبوي الشريف لأنها بدعة لم ترد، والمسألتان وغيرهما من الظنيات التي اختلف العلماء فيها اختلافا ينبغي أن يحترم، وبدلا من أن يرجع كلام الإمام أحمد إلى سياقه الصحيح، بحيث يحمل على أنه قال ذلك في معرض النقاش العلمي لا الإنكار على المخالف، يتخذ لفظ البدعية سيفا مصلتا على رقاب المخالفين . وكثير من المسائل التي شاعت بدعيتها هي من المسائل التي يسوغ الاختلاف فيها، فيهدر هذا الحق، ويفقد المخالف الأمن الذي كفله له الدين.
بل يسري هذا الهدر لحق الاختلاف في قضية التراتبية في الأحكام الشرعية، بحيث ينظر إلى تارك السنن مثلا نظرة دونية في أوساط الملتزمين بالشعائر الظاهرة، دون التفات إلى أن الطرق إلى الله تتعدد بتعدد استعدادات البشر، فقد يقصر أحدهم في الصلوات المسنونة لكنه يسبق غيره في الصدقة أو حسن الخلق، فالأحكام الشرعية جعلت مراتب بحيث تكون دائرة الإلزام فعلا أو تركا ضيقة،وذلك لأنها شرعت بما يسع اختلاف الطاقات النفسية والروحية فضلا عن طبيعة الظروف الاجتماعية والاقتصادية. أتذكر أني سمعت محاضرة قبل سنوات طويلة للشيخ سعيد حوى -رحمه الله رحمة الأبرار- يتحدث فيها عن نهج رسول الله صلى الله عليه وسلم في التربية وأنه لم يكن يطالب أصحابه كلهم بمستوى واحد من الترقي مثلا لم يأخذ العهد إلا على بضعة نفر منهم أن لا يسألوا الناس شيئا فكان أحدهم إذا سقط السوط من يده وهو على ظهر الدابة لم يسأل أحدا أن يناوله إياه، هذا الخلق لم يطلبه النبي صلى الله عليه وسلم من أصحابه جميعا لئلا يكلفهم مالا يطيقون، لم أنس أبدا عبارة الشيخ سعيد حوى رحمه الله: إن لكل إنسان سقفه الذي قد تفتنه في دينه إن حاولت أن ترفعه فوقه.
لقد كانت توجيهات النبي صلى الله عليه وسلم تؤكد على مراعاة الخصوصيات الفردية على مستوى التعامل مع النفس أو الغير، ومن جميل ما قرأت في هذا المعنى ما أورده العلامة الكتاني في كتابه التراتيب الإدارية عن رابعة العدوية قولها: «إن كان صلاح قلبك في الفالوذج فكل منه، فرب مشبع لا يريد الشبع وإنما يريد المصلحة،وليس كل بدن يقوى على الخشونة».
حماية الحق في الاختلاف واجب شرعي، وفريضة تحتاج منا إلى تدارس ومجاهدة لتفعيلها، مع التنبه إلى صلاح النيات في ذلك.