تحدث سمو وزير الخارجية في كلمته خلال تسلمه رئاسة الدورة الحالية للمجلس الوزاري, قائلاً «إن من أهم المواضيع المطروحة على القمة هي «مسألة النهوض بمفهوم الأمن العربي المشترك, على النحو الذي يجعل المفهوم أكثر شمولية واتساعاً, بحيث يستوعب ليس فقط البعد العسكري, وإنما جملة التحديات الأمنية والاقتصادية والثقافية والحضارية التي تواجه أمتنا العربية, وتستدعي منا استعداداً وتأهيلاً خاصاً». في الحقيقة أن هذه الخطوة مهمة جداً, لاسيما أنها تتبنى المفهوم الشامل للأمن, وفي أدبيات الدراسات الأمنية ينطوي المفهوم الشامل للأمن على عدة أبعاد: إستراتيجية, اقتصادية, سوسيو-اجتماعية, وبيئية. حيث إن العمل على تعزيز هذه الجوانب يتطلب جهداً كبيراً لا يستهان به, ومؤسسات ذات كفاءة وتخصص أكبر, ناهيك عن ضرورة تخصيص الموارد الكافية لذلك. لاسيما أن هناك الكثير من مواطن الضعف في الدول العربية, ليس فقط في ما يتعلق بالأمن العسكري ولكن في المجالات الأخرى. إن إحدى ثمرات هذا التوجه تتمثل في تأسيس مجلس الأمن والسلم العربي, الذي أقر إنشاؤه في قمة الخرطوم العربية العام الماضي, ودخل حيز التنفيذ قبل أيام قليلة, وفقاً لتصريح معالي الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى. ومن المؤمل أن يكون هذا المجلس بمثابة الآلية العربية لفض وتسوية المنازعات بين الدول العربية بالطرق السلمية, إضافة إلى إشرافه على تشكيل قوة حفظ السلام العربية, التي تهدف للقيام بمهمات حفظ السلام في الدول العربية في حال طلب منها ذلك. ورغم أهمية وسمو الهدف الذي من أجله أنشئ المجلس إلا أن الطريق لتحقيق أهدافه محفوف بالمخاطر. فمسائل الأمن من المسائل السيادية والشائكة التي يصعب التعاطي معها, بل إن كثيراً من الدول تعتبر وجود قوات على أرضها, أياً كانت جنسية هذه القوات, أمراً غير مرغوب فيه. ومن الأمثلة على ذلك «إعلان دمشق» في العام 1991م, الذي تكون من دول الخليج العربية ومصر وسوريا, وكان يهدف لتكوين قوة عسكرية عربية بهدف الحفاظ على الأمن في منطقة الخليج, لكنه لم يسفر عن شيء, حيث دخلت معظم دول الخليج في معاهدات دفاع ثنائية مع الدول الغربية, بدلاً من الاحتفاظ بقوات عربية على أراضيها. أما في ما يتعلق بجوانب الأمن الأخرى, فهي أيضاً بحاجة إلى عمل دؤوب, لتحصين المجتمعات العربية ضد الغزو الفكري والثقافي في ظل تزايد قوى العولمة المختلفة, وما يشكله ذلك من تهديد للهوية الثقافية العربية. ولعل «وثيقة تطوير المناهج التعليمية» التي طرحت على أجندة القمة تعتبر مؤشراً على إدراك الزعماء العرب أهمية التركيز على الجانب المعرفي, خاصةً في ظل الضعف الواضح في مجالات البحث العلمي والمناهج والأساليب التقنية في جميع الدول العربية بدون استثناء, مما يجعل الهوة بينها وبين المجتمعات الأخرى تتسع. هذا بطبيعة الحال يؤثر سلباً على مستوى تنمية الموارد البشرية, الذي بدوره يشكل عائقاً في سبيل تحسين مستوى المعيشة للشعوب العربية. ناهيك عن ضرورة وجود تصور موضوعي لكيفية الاستفادة من الثروة المالية الحالية الناتجة عن ارتفاع أسعار النفط, واستثمارها في محاربة الفقر والجهل والأوبئة, كركيزة لدعم الاستقرار الداخلي. كثيرون الذين يؤمنون بأهمية مفهوم الأمن العربي الشامل, لكن قليلين هم الذين يعتقدون بأن تحقيق ذلك ممكن, في ضوء ضعف التنسيق بين الدول العربية وغياب الإرادة الجماعية. نتمنى أن تتبلور إستراتيجية أمنية عربية شاملة, واضحة المعالم, محددة الأهداف, ذات جدول زمني مرحلي, تأخذ كل هذه الأبعاد بعين الاعتبار, وتتولى هيئات الجامعة العربية إعداد تقارير دورية عن سير أعمالها وما يتحقق في هذا الشأن من إنجازات.
knhabbas@hotmail.com