عبدالعزيز العنزي (العلا)
في الطريق الى مدائن صالح «الحجر» تستعيد من ذاكرتك اناشيد الأماكن التاريخية وملامح صمودها في وجه تصاريف الزمن.
خصائص متفردة
ومدائن صالح الآثار والتاريخ تختزن دهاليزها الاسرار وقلّما نجد مدينة في كل بقاع الأرض جمعت ما تحتويه مدائن صالح بين ثناياها وفي انحائها من خصائص متفردة تمتزج فيها اسرار التاريخ بالانثربولوجيا و دهاليز الماضي التليد وتختلط بخصوصية غرائبية المشاهد وبانورامية الصور.. هنا في مدائن صالح قد يغيب جزء كبير من الحاضر رافعاً قبّعته للسيد «التاريخ» الحافل بالعراقة المتميزة وبروعة شواهد الامس البعيد ومعالم العصور الغابرة.


مدينة الاسرار
في مدائن صالح تتوقف الأعين أمام حيّز مكاني تضاريسي يأبى ان ينكشف للزائر منذ اول وهلة لتنجلي عجائبه على مهل وفي استحياء شديد كاشفاً في كل مرة من تجلياته عن معالم باهرة ومفاتن تشعرك بالفعل انك في «مدينة» ليست مثل كل المدن وامام معلم استوفى من الاسرار ما لا تكفي معه أيام ولا شهور لسبر اغواره والغوص في اعماقه واستجلاء رهبة المكان.
امتزاج الواقع بالخيال
عندما تسير بين دهاليز مدائن صالح تجد ان الواقع يمتزج بالخيال .. بالحلم وبالفانتازيا ثم يتحرك المشهد لتتداعى الصور .. صورة بعد اخرى تتهادى من المخيلة التي لا تلبث ان تتقافز الاسئلة لترتسم الصورة مرة اخرى امام شواهد حضارة انسانية لا تزال شواهدها قائمة من آثار وقبور وسدود ونقوش وكتابات وزخارف وفنون متنوعة تصوّر بكل تفرد تلك الحضارة الحافلة بالنبوغ في المناحي العمرانية والثقافية والتجارية.
الخطأ الشائع
يعتقد الكثير من الناس ان اسم مدائن صالح تعود تسميتها الى نبي الله صالح عليه السلام وهذا خطأ شائع يجب الانتباه إليه حيث بدأ الناس يتعارفون على هذا المسمى منذ القرن الثامن الهجري ويذكر ابن ناصر الدين محمد عبدالله نقلاً عن ابي محمد القاسم البرزالي ان مدائن صالح التي تبعد عن العلا 22 كلم ينسب اسمها الى صالح وهو من بني العباس بن عبدالمطلب.. أمّا قبل ذلك فكان يطلق عليها مسمى «الحجر» وقد ورد ذلك في القرآن الكريم بل وحمل اسمها احدى سور القرآن الكريم وهي سورة الحجر.
التاريخ حاضر
رغم عوامل التعرية الاّ ان التاريخ يظل صامداً ولسان حاله يقول حاوروني وأسألوا «الامكنة» إنهّا امامكم لن تضنّ عليكم باجابة استنطقوا كل شي عن الماضي وتفاصيل حياة انسان الجزيرة العربية في عصور ما قبل الميلاد والى ما قبل 2800 عام.
الحضارة النبطية
في اثار مدائن صالح تسطع الحضارة «النبطية» بكل ما بلغته من شأن كبير من حيث فنون النحت والزخرفة والعمارة كما يبدو ذلك جلياً على واجهات الاضرحة والمقابر المنحوتة في الجبال والتي تتزين بأشكال هندسية متناسقة من مثلثات ومربعات ودوائر وكذلك الرسومات التي تحتفل كثيراً بطائر «النسر» وكائنات اخرى تتصل بما كان يجمع عليه اولئك القوم من معتقدات وطقوس.
دور المرأة
لا يقتصر المشهد في مدائن صالح عند ما يجسده الابداع الحرفي الرائع الذي يشهد لتلك الحضارة بنبوغ آخاذ في فنون مختلفة بل تتجاوز ذلك الى ما احتوته من اسرار على صعيد الانعكاسات الاجتماعية والاقتصادية لاصحاب الحضارة النبطية في ذلك الوقت منها على سبيل المثال دور ومكانة المرأة في المجتمع النبطي حيث تشير الدراسات الاثرية والابحاث الالكيولوجية الحديثة الى ان المرأة كانت ذات حضور مؤثر ومكانة متميزة لدى النبطيين وكانت تقام لها المقابر الخاصة باختلاف احجامها وتنحت في الصخر ومن النساء الشهيرات في الحضارة النبطية هناك امرأة تدعى «كمكم» وقبرها موجود ضمن مقابر قصر البنت. كما ان هناك «رقوش» التي فضلت ان تدفن في الحجر في مدائن صالح تتوزع المقابر المنحوتة في الجبال واشهرها قصر الصانع وتقع في الجهة الجنوبية من الموقع وتضم هذه المقبرة نقشاً يعود الى شهر مارس من سنة (8) ميلادي وهناك مقبرة القصر الفريد وسميت بذلك لانفرادها بجبل مستقل بذاته ولتميزّها بالاعمدة النبطية الافقية والرأسية وهناك مقابر الخزيمات التي تضم 53 مقبرة تتوزع على مجموعة من الكتل الصخرية.
نشأة الحرف
ولانها مدينة الاسرار فلا غرو ان تكون مدائن صالح متحفاً مكشوفاً ومنجماً مفتوحاً للكثير من الباحثين الذين وجدوا بغيتهم واناخوا مطيتهم فيها لاجراء بحوثهم ودراساتهم. ويرى بعض الباحثين ان الكتابة العربية نشأت في شمالي الجزيرة العربية عكس ما كان شائعاً انها نشأت في بلاد الشام واعتمد في ذلك على شواهد مادية مقنعة بنيت على عدد من النقوش والكتابات في مدائن صالح.
غرف التاريخ
وانت في مدائن صالح لا تلبث ان تقابل السياح من جنسيات مختلفة حيث يجد هؤلاء في غرف التاريخ وارض الاحلام واحداً من اهم المعالم الزاخرة الى حد الترف بمخزون تراثي اثري تاريخي.. ولأن مدائن صالح مدينة لا تشبه المدن وجبال لملمت صخورها اثار الايام الغابرة فإن اسرارها متدفقة وجمالها يظهر تجليات متنوعة من السهل على زائرها ان يقرأ ملامح التاريخ النبطي بكل عنفوانه وأصالته. وقد ثبت لدى الباحثين ان الانباط هم اول من استوطن «الحجر» مدائن صالح وقاموا بتعميرها ويرى الباحثون ا ن اصل الانباط من الجزيرة العربية وذكر المؤرخ ديوردور الصقلي ان الانباط كانوا بدواً رعاة لا يعرفون الزراعة وان ارضهم اغلبها صخرية وعرة.