سعود الرشود (حائل)تصوير: راشد الثويني
في صباح مغسول ببرد الشمال ورعشة الخوف من الأماكن الموحشة تأخذ طريقك عبر تضاريس وعرة وأخاديد بركانية الى بلدة «النعي» القديمة بلدة لها من اسمها نصيب فهي تقع على فوهة بركانية خامدة في جبل «سلمى» أحد جبلي حائل الشهيرين.
وتنهض متناغمة مع تفاصيل وتعرجات الجبل وترتبط معه بحبل سري بين شرقه وغربه.
نالت «النعي» شهرة كبيرة وحضوراً طاغياً في الذاكرة لعدة اعتبارات منها حدوث تشققات وتصدعات في طرقاتها مما ادى الى ترحيلها عن مكانها اضافة الى الروايات التي تشير الى وجود قبر البطل الاسطوري عنترة بن شداد العبسي بها.
ويقع القبر في مرتفع من الارض تنبع بالقرب منه عين ماء جارية وان كان هناك خلاف تاريخي حول ذلك الا ان بعض الدلائل تشير الى ان ذلك القبر هو لعنترة العبسي.
فوق البركان
ويبقى أهم اسباب شهرة النعي كونها من القرى القليلة على مستوى الوطن التي نشأت فوق فوهة بركان حيث ظل أهلها يتوسدون الحمم الجافة حتى صدر أمر بنقلهم من فوهة البركان الى موقع آخر .. حينما بدأت الأرض تتصدع تحت أقدامهم فبدت القرية القديمة مقفرة وموحشة بمزارعها وأسواقها ولا شيء يقطع روتين الصمت فيها سوى خفقات أجنحة طيور جارحة وجدت لها ملاذاً آمناً بعد أن أصبحت القرية خاوية على عروشها.
حوار مع عنترة
حينما توقفت السيارة في شارع بالقرية المهجورة شعرت كأنني أهيم في طقس فنتازي فالصمت مطبق وحجارة البيوت لا تتكلم وأشجار النخيل تهش بابتسامة حزينة للرياح التي كانت تمزج نواحها بهديل الحمام وأصوات مكائن الري وهي تسافر في أرجاء القرية وتصطدم بالجدران الصامتة.. في هذه الاجواء استغرقني التفكير العميق عن موت المدن والرحيل المر فشعرت برعشة الرهبة والخوف وتغلغل الفراغ المهول الذي يملأ المكان وأخذ هذا الفراغ يتخطفني عندما رأيت المبنى الحكومي لمركز الامارة المكسو بالرخام فارغا وموحشا ومن بعيد مدرسة القادسية الابتدائية وقد امتدت فروع الاشجار الى خارج فضاء مبناها فيما كانت الدكاكين مغلقة فلا زبائن ولا باعة. أما في الطرف الجنوبي من القرية فكانت مدرسة البنات المكونة من ثلاثة ادوار تربض وتشكو الهجران وقد أصبحت سكناً للحمام البري واكل جدرانها الغبار البركاني فيما انتصب خزان المياه القديم مجسماً للعطش وسط القرية.
حينما كنت وسط هذا المناخ الذي يشبه الحلم والاسطورة نفضت من بصري غشاوة الغبار فتخيلت في الأفق خيالاً اسمر في المدى فتصورته عنترة بن شداد العبسي قد أضاع فرسه بعد معركة ضارية وتوجهت نحوه لأحاوره واذا بي افاجأ بالانسان الوحيد في ذلك النهار وهو عامل بإحدى المزارع يسعى لرزقه وقال العامل ان القرية القديمة موحشة وانه لا يوجد سكان سوى في بيتين فقط فيما هاجر الجميع الى أعلى الجبل.
سقوط الماء
ليست قرية النعي هي الوليدة التي خرجت من رحم البركان وغادرت مكانها الى موقع آخر أكثر أمناً من غضب الحمم فهناك قرية طابة على مسافة (50) كلم من النعي هي الأخرى غادرت مكانها خوفاً من غضبة البركان.
ثمة اسئلة تطوف في الذاكرة وأنت تمسح بخطواتك دروب القرية وازقتها الخاوية عن اسباب السكن بجوار البراكين وقبل ان تبرد حرارة سؤالك تأتيك الاجابة ان أراضي البراكين الهامدة والخاملة غالباً ما تتضمن مكامن مائية في جوفها وتمنح الحمم البركانية الارض خصوبة متجددة ويبدو أن هذا السيناريو هو الذي دفع باهالي القرية للسكن بهذا الموقع.
الرحيل المر
لم يبق في النعي القديمة سوى عائلتين احداهما في قلب البلدة قرب الجامع القديم والأخرى في الجهة الشمالية على حافة البركان وقد التقيت برب الأسرة التي تسكن بجوار البركان وهو جعيدان ضحوي الشمري فقال ان سبب بقائه في القرية القديمة هو مزرعته وعدم تمكنه من البناء في الموقع الجديد للقرية لكون ان له قرضا عقاريا قديما في حائل.واضاف ان التشققات والصدوع في القرية لازالت متواصلة وآخرها وقع قرب منتصف منزله وأدى الى فتحة في جدار المجلس العائلي.. واضاف انه ليس هناك قرار يمنع المبيت في البلدة القديمة مشيرا الى انه وعائلته يسمعون في الاماسي دوياً في التجويفات الجديدة وبين الحين والآخر يشعرون بهزات ضعيفة.
كل الدراسات والبحوث العلمية التي أجراها المختصون من مراكز البحث العلمي في الجامعات السعودية وكذلك البحوث والدراسات التي أجرتها مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية وكل البعثات العلمية التي زارت الموقعين أشارت لقدم هذه البراكين وعمقها التاريخي مؤكدة على أنها لا تمثل أي خطر من ناحية الثوران والانفجار وهي أي الدراسات تؤكد على أن الاستنزاف المائي على مدى العقود الماضية في ظل نقص الامدادات التعويضية أدى لخلخلة الطبقات السطحية من التربة ما ساهم في تكوين فراغات هوائية في الطبقات السفلى لأرض البركان الأمر الذي أدى لهبوطها التدريجي لملء الفراغات الناجمة عن سحب المياه حتى انعكس ذلك على السطح فظهرت التصدعات والشقوق السطحية التي انتشرت في كل الجهات من القرية.. ولم تشر أي من التقارير أو الدراسات التي تمت في القرية وفي قرية طابة القريبة لاحتمالات نشاط بركاني أو عودة الحياة مجددا لهذه البراكين الخامدة ولكنها حذرت من احتمال حدوث انهيارات لجوف البركان الذي من المحتمل أن يبتلع السطح وأوصت بنقل السكان بعيدا عن الخطر.
ومع ذلك فقد تجددت المخاوف في القرية قبل فترة قريبة عندما كانت شركة مقاولات تعمل على تمهيد وتسوية الطريق بين قرية النعي ومحافظة الشنان حيث تم اكتشاف فوهة صغيرة تنفث هواء ساخنا ورطبا أعاد الناس للحديث عن الواقع الجيولوجي في تلك الجهات وفي هذا السياق أكد لنا الدكتور صلاح عبده زقيل استشاري تعدين وأستاذ مساعد هندسة التعدين بكلية المجتمع التابعة لجامعة الملك فهد للبترول والمعادن أثناء زيارته للموقع أنه تم الكشف عن حفرة سطحية عمقها الظاهري لا يتجاوز مترين وعرضها 15×30سم مشيرا الى ان تفسير ظاهرة الرطوبة الدافئة هو أنها عبارة عن الفرق بين درجة الحرارة في جوف وعلى سطح الارض موضحا بأن العلامات السطحية التي تم رصدها في الموقع لا تدل على أي ظاهرة جيولوجية خطيرة سواء على المحيط أو البيئة وأنها لا تعدو كونها تشققات في الكتلة الصخرية عادة ما تصاحب المواقع البركانية التي تشتهر بها هذه الجهات مؤكدا ان الظواهر الطبيعية الخطيرة تأتي فوهاتها على شكل اسطواني مخروطي بعكس هذا الموقع.. واضاف الدكتور صلاح زقيل.. اذا تكررت الظاهرة في هذه المنطقة فلا بد من دراستها من هيئة المساحة الجيولوجية مشيرا الى ان وجود مناطق بركانية خاملة لا يعني انتفاء احتمالات نشاطها ثانية رغم أن النسب ضئيلة جدا الا أن الاحتمالات مهما ضعفت لابد من دراستها من الجهات المختصة وختاما يؤكد زقيل ان الفوهة ليست بركانية ولا تعدو كونها تشققات طبيعية بسبب تراكم الصخور في عمق الأرض البركانية ينتج عنها وجود تجويفات وفراغات وتشققات بحكم التبريد السريع للصخور فتتكون الشقوق ومتى ما سنحت لها الفرصة بدأت في التبخير ناحية سطح الأرض.
البلدة الجديدة
الى الشرق من القرية القديمة وبمحاذاة سفح البركان نمت قرية النعي من جديد بعد هجرانها لموقعها القديم وساعد الدعم الحكومي المباشر بظهور أسرع القرى نموا في منطقة حائل فغدت قرية منظمة وفسيحة ومثالية ناحية التخطيط العمراني اذ تضم عشرات الفلل الحديثة ومشروعاً جديداً للمياه فيما تم استئجار مبان لمدارس البنين والبنات ومركز الامارة.. وغيرها من الادارات الحكومية.
وقال رئيس المركز عبدالكريم بن حمود الزبن ان القرية وأهاليها ومحيطها يرون أن البركان جزء مهم من ذاكرتهم اليومية.. وهو واقعهم الذي عاشوه وتعايشوا معه ولازال الكثير من الاهالي يحنون للبلدة القديمة التي تركوا فيها ذكرياتهم وحياتهم ومدارسهم الحكومية والخدمات التي تحققت لهم على مدى عدة سنوات ويضيف الزبن.. كما هي الحال في استثناء المساكن الخاصة للبلدة فإننا نتأمل أن يتم استثناء النعي من خلال بناء المنشآت الحكومية كالمدارس ومركز الإمارة وعدد من القطاعات التنموية الأخرى.
مستدركا.. ان البلدة تفتقر لبعض الخدمات الضرورية لعل أبرزها المركز الصحي الذي يمثل الحاجة الحقيقية لكل أهالي القرية والقرى المجاورة لها مؤكدا ان الناس يتكبدون السفر من أجل الحصول على الخدمة الصحية.. مشيرا الى ان النعي تستحق لفتة حقيقية من قبل هيئة السياحة لما تضمه من آثار ومقومات سياحية كثيرة.