صفية الجفري
الدخول في عقد الإسلام يعني قبول الالتزام بقانونه العام وعدم المجاهرة بما ينافيه، فإذا حصلت هذه المجاهرة عند ذلك يتخطى الأمر الحرية الفردية ليتقاطع مع احترام نظام المجتمع العام، مع ملاحظة أمرين: أحدهما: أن هذه الشعيرة إنما تطبق حال المجاهرة، أما عند عدمها، فلا يحق لأحد التجسس على الآخرين أو تتبع أفعالهم أو نواياهم أو إساءة الظن بهم، ويكون مثل هذا الفعل إفساد وإثم عظيم.
الثاني: أن مجال الأمر والنهي مقتصر فقط على الثوابت القطعية في الدين، أما ما اختلف العلماء في حكمه فليس مجالا للأمر والنهي، بل إن الأمر والنهي هنا يكون اعتداء على حقوق الآخرين في ممارسة حرية الاختيار التي كفلها لهم الشرع في المسائل الظنية وهي جملة مسائل الشريعة. قال الإمام النووي في شرح صحيح مسلم: (إنما يأمر وينهي من كان عالما بما يأمر به وينهى عنه، وذلك يختلف باختلاف الشيء، فإن كان من الواجبات الظاهرة والمحرمات المشهورة كالصلاة والصيام والزنا والخمر ونحوها فكل المسلمين علماء بها وإن كان من دقائق الافعال والاقوال ومما يتعلق بالاجتهاد لم يكن للعوام مدخل فيه ولا لهم إنكاره بل ذلك للعلماء).
وإذا كانت جملة مسائل الفقه ظنية، فليس للعوام إذن أو من لم يطلع على كلام العلماء في قضية ما أن يبادر فيها بأمر ونهي.

القطعيات
ومسألة أخرى مهمة: وهي أن شرط العلم يشمل ايضا فقه ما يترتب على الإنكار أو الأمر، فقد تكون مسألة الأمر أو النهي من القطعيات لكن ما يترتب عليها يحتاج الى فقه ونظر وتقدير للمصالح والمفاسد كأن يؤدي الإنكار الى منكر آخر أو أذية تتعدى المنكر فعندئذٍ ليس له الإقدام إلا إن علم جيدا حكم ذلك الأمر أو النهي باعتبار ذاته أو ما يؤدي إليه. كذلك يجب العلم أيضا بوسائل الأمر والنهي، والحكمة في استخدام الطريقة المناسبة، وهذا واجب لامندوب، ويكون تارك ذلك مرتكبا لإثم، وبدل ان يقوم بفعل الاصلاح يضيف فسادا آخر.

أصلان
ولدينا هنا أصلان: الاصل الأول: هو الامر بالمعروف والنهي عن المنكر تحقيقا للولاية بين المؤمنين، وإصلاحا للأرض.
والأصل الثاني: هو حرمة إيذاء المسلم، أو إساءة الظن به، وأن الاصل في المسلم البراءة من التهمة. وتحقيق الاصل الاول لايمكن إلا بمراعاة الاصل الثاني، ومن ثم وضعت للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ضوابط تمنع خرق او اسقاط الاصل الثاني فيجب ان يكون المرء عالما بما يأمر به أو ينهى عنه، وان يكون عالما بالاسلوب المناسب للأمر والنهي، وان يكون عالما بما يترتب على الامر والنهي.
فالمختلف فيه كما قدمنا ليس مجالا للأمر والنهي. كما يجب اتباع الاسلوب المناسب للأمر والنهي، فيحرم ان تستعمل الشدة حيث ينفع اللين، بل إن الشدة لاترقى الى الاعتداء بما يحرم من الالفاظ، سبا وشتما فاحشا أو لعنا أو قذفا فضلا عن عدم استعمال الاعتداء البدني الذي هو خاص بسلطة الدولة كأمر تعزيري تقديري.
كما ان الشدة لايتوجه بها الى اي أحد، فيحرم ان يغلظ لوالديه او احدهما لان حقهما في حسن المصاحبة ثابت بنص القرآن في أعظم الذنوب وهو الشرك.
قال الإمام أحمد: إذا رأى أباه على أمر، يكلمه بغير عنف ولا إساءة، ولا يغلظ له في الكلام، وإلا تركه، ليس الأب كالأجنبي.

الانكار
وقد ذهب كثير من العلماء الى أن الإنكار باليد لايكون إلا للسلطان، والإنكار باللسان للعلماء، والإنكار بالقلب للعوام. وهذا الكلام فيه تفصيل، فالإنكار بالقلب فرض عين على الجميع لكن المراد هنا اختصاص العوام بهذه المرتبة دون سواها غالبا، والإنكار باللسان للعلماء نظرا لانهم القادرون على تقدير المفاسد المترتبة على الإنكار وعدمها. وحديث: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده..» لم يفهم منه العلماء البدء بالتغيير باليد مطلقا، الذي فهمته بعد نظر ان الحديث وارد في منكر لايمكن تغييره إلا باليد، وسمى الإنكار باللسان تغييرا باعتبار ان فعل التغيير يقوم مقامه، إذ اننا مطالبون بتنفيذ الأمر ولسنا مطالبين بتحقيق النتيجة المرجوة منه إذ ما على الرسول الا البلاغ. أو ان الحديث ليس في ترتيب أساليب الإنكار وإنما في بيان الحث على ممارسة فعل الإنكار بحسب الاستطاعة حصل التغيير أم لا، ولذلك سمى فعل الإنكار تغييرا (فإن لم يستطع فبلسانه)، بل سمى الإنكار بالقلب تغييرا (فإن لم يستطع فبقلبه). والله أعلم.

النية
ويجب ان تحرر النية عند الأمر والنهي بحيث يقبل الآمر أو الناهي على فعل الأمر أو النهي مستحضرا أنه ينفذ أمر الله عز وجل وأنه من كرمه تعالى أن أعطاه هذا الحق مع عظم تقصيره في جنب الله، وأنه لولا لطف الله به وعصمته له لوقع في ذات الذنب الذي وقع فيه من يريد ان يتوجه إليه بالأمر أو النهي، فهو ليس بأفضل حال منه إلا بتوفيق الله وهدايته، ثم إن الخاتمة بالحسنى أو السوء والعياذ بالله لا أحد يعلمها إلا الله عز وجل، فلا يدري من يختم له بالحسنى، ويقبل بهذه النفسية على الأمر والنهي، بل ويستشعر أنه إن لم يحسن تحرير نيته فإنه قد يقع في معصية عظيمة وهي العجب وهي التي أخرجت إبليس من رحمته تعالى.
كما يستشعر أنه إنما أمر بذلك ليتحقق بحبه لأخيه تحققا عمليا بحيث يكون نصحه سبيلا للأخذ بيده نحو الخير والبعد عن الفساد. فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إصلاح ولا يكون الإصلاح من قلب فاسد أو بفعل فاسد.
وأن يكون عالما بما يترتب على الأمر والنهي: بحيث إذا كان سيترتب عليه مفسدة أعظم، إما بارتكاب ذنب أعظم، أو صد عن الخير، أو اذى لقرابة الآمر غير يسير، بل ولو كان يسيرا كما ذهب إليه بعض العلماء. فيحرم حينئذ الأمر والنهي. فالأمر والنهي هو فعل ناتج عن كمال تبصر، تحريرا للنية، فنظرا في الفعل، من حيث طريقة أدائه، وما يترتب عليه.
وخلافا لما هو متبادر من كلمة الاحتساب من أنها مشتقة من الحساب فإن الاحتساب معناه هو طلب الأجر: جاء في لسان العرب: الحسبة: مصدر احتسابك الأجر على الله، تقول فعلته حسبة، واحتسب فيه احتسابا، والاحتساب طلب الأجر.
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لايرسخ تمييزا أو طبقية بحيث يكون حكرا على فئة تنمط الدين وتجعله قوالب جامدة لاتسع الفوارق الفردية بين البشر، بل هو عامل مساواة يجعل الناس جميعا سواسية في الإسهام في الإصلاح.
وهذه الشعيرة تنتزع الشعور بالغربة النفسية وتدمج صاحبها في المجتمع، إذ يمتلئ قلبه وعقله بحب مجتمعه، ويكون دوما حريصا على مزيد من التلاحم والاندماج مع من حوله وبذل الخير لهم لإصلاح المجتمع.