كتابة وتصوير: محمد الهتار
وانت في طريقك الى مركز البئر او بئر ابن هرماس في الركن الشمالي من تبوك تتداعى الى ذاكرتك مشاهد القوافل في السنين الخوالي وهي تتهادى في هذا الموقع وتلون المساحات التي تحيط بالبئر بظلال بانورامية. وبئر ابن هرماس تقع على مسافة (60) كلم من تبوك وعلى مفترق طريقين دوليين ومنفذين هامين يؤديان الى ساحل البحر الاحمر كما تقع على مسافة 50 كلم من حالة عمار احد اهم منافذ المملكة وبسبب موقعها الجغرافي فإن البئر كانت محطة هامة في طريق قوافل الحجاج العابرين من الشام والأردن. فقبل عام 1393هـ كانت القرية تعد منفذا للمنطقة الشمالية غير ان انشاء منفذ حالة عمار سرق البريق من «البئر» واصبحت من ذكريات الماضي.
حسب بعض الروايات فإن اسم بئر ابن هرماس تعود الى ابن هرماس شيخ قبيلة بن عطية التي كانت تستوطن هذا المكان حيث كانت القبائل تتناوب في مرافقة قوافل الحجاج وحمايتهم من منطقة لاخرى وكانت قبيلة بني عطية تسكن في المنطقة المجاورة للبئر والتي اكتسبت اسمها من شيخ القبيلة في ذلك الوقت وتبلغ مساحة قرية ابن هرماس (619) هكتارا والدخول اليها يتم عبر مناظر طبيعية عبارة عن مزارع تبدد مشهد الصحراء من اعين الزائر وكانت زراعة القمح هي الحرفة الابرز لاهالي القرية وبالنسبة لمناخ القرية فهو حار نهارا ومعتدل صيفا وذلك بسبب السلاسل الجبلية التي تحيط بهذا المكان وكانت الدولة العثمانية قامت ببناء قلعة اثرية وبئر لسقيا الحجاج والقوافل ومع توحيد المملكة على يد المؤسس الملك عبدالعزيز -رحمه الله- فقد لقيت قرية ابن هرماس نصيبها من اهتمامات الدولة حيث تم تأسيس مركز بن هرماس عام 1377هـ ومنذ ذلك العام توسعت رقعة القرية وازداد عدد سكانها.
ورغم ان طريق البئر يشهد الكثير من الحوادث المرورية الا ان المستشفى الصغير الذي كان في الاصل مركزا صحيا يحتاج الى العديد من الكوادر الطبية وذلك وفقا لمدير المستشفى محمد العطوي الذي اوضح ان المركز به اكثر من (6) الاف نسمه ولا يلبي المستشفى حاجتهم العلاجية كما ان الاطباء لايستطيعون القيام باجراء اي عمليات جراحية قد تستدعي الظروف اجراؤها فيه فحتى الان ماتزال الحالات الحرجة سواء كانت لسكان البئر او العابرين عليها تنقل الى مستشفيات تبوك.
ونفس الشكوى اطلقها مدير مركز الهلال الاحمر السعودي الذي تمنى ان يشهد المركز والذي يوشك الانتقال لمبناه الجديد دعما كبيرا خاصة ان المعدل المتوسط الشهري للحالات التي يتعاملون معها تصل الى 200 حالة بعضها حالات حرجة خاصة انهم يغطون طريقا دوليا يشهد باستمرار حركة مرورية تكون اكثر كثافة في المواسم.
ولان الانسان المتعلم هو جوهر ثروات المجتمعات فبعلمه تبنى الامم فقد حظيت البئر باهتمام المسؤولين في هذا المجال حتى بلغ عدد المنتسبين لجميع المراحل التعليمية بنين وبنات اكثر من 2000 طالب وطالبه لكنهم مازالوا حتى الان يطمحون في ان يروا كلية تريحهم عناء الترحال اليومي الى تبوك او السكن فيها.
ومع ان المجمع القروي منذ بدء العمل فيه وحتى الان قدم الكثير من الاشياء الخدمية للقرية لكنه مازالت آمال الاهالي تنتظر المزيد من الخدمات والتي وحسب كلام رئيسه مسلم المسعودي انها قادمة مع الوقت مع ان بدايتهم كانت شاقة جدا لكثرة البيوت الطينية وحظائر الاغنام التي كانت تجاور المنازل والتي ازيلت جميعها موضحا ان العمل في المجمع قد بدأ بنهاية عام 1421هـ والذي شهد مسحا شاملا لجميع اراضي القرية وردما للمستنقعات الموجودة فيها وفي خارجها مع بدء ورشة عمل تنموية متكاملة من سفلتة وانارة للشوارع الرئيسية والفرعية بمخطط الربوة والتي قطعوا فيها اكثر من 90% مع انشاء منتزه الامير فهد بن سلطان واقامة مسلخ للاهالي وتهذيب وتحسين لمداخل البئر بسور جمالي وتركيب 130 عمود انارة مزدوجا وانشاء ميادين عند الدوارات باجمل المناظر والتشكيلات الحروفية مع الاهتمام بزراعة الاشجار وبالذات النخيل وايصال التيار الكهربائي لحوالى 95% من السكان وتجديد شبكة خطوط المياه داخل مخطط الربوة بالإضافة الى انشاء ابار ارتوازية مع تحسين مداخل البئر واعتماد مخطط النهضة وسفلتته بالكامل وتخصيص 12200 متر طولي وتركيب 14 عمود انارة مزدوجا وتخصيص منطقة للتخلص من النفايات بالردم والتي تبعد عن البئر حوالى 7كم، وتخصيص مخطط لحظائر الاغنام بعيدا عن مساكن الاهالي مع القضاء على تعديات الاراضي العامة وان كانت ماتزال ظاهرة وموجودة في القرى التابعة لها. فهذه القرية بالرغم من ان المدينة بدأت تزحف اليها لكنها ماتزال محافظة على بساطتها التي نشأت عليها فسكانها هم من الناس البسطاء الذين عاشوا في البدو واشتهروا بالجود والكرم والذين مازالوا متمسكين بكل ماض جميل لهم.
فالزواج عندهم يتبع مبدأ اليسر والتيسير فالبنت في البئر تتزوج في عمر يتراوح مابين 15-19 سنة بدون مغالاة في المهور حتى ان الكثير من اولياء الامور لا ياخذ الا مايحلل به زواج ابنته فديدنهم في الحياة انهم يعيشون بقلب واحد جميعهم تجدهم في كل المناسبات افراحا كانت ام اتراحا فقبل موعد الزواج بأسبوع يهب الشباب في بناء عدة بيوت الشعر التي التقام فيها افراحهم والتي تستمر يومين او ثلاثة ايام في اغلب الاحيان.
ولان حاضر الانسان هو امتداد لماضيه ورغم ان المدنية والتحضر قد بدا سائدين في البئر لكن مازال لبعض من اهالي هذه القرية متمسكين بعاداتهم وتقاليدهم التي نشاؤا عليها فعادات الزواج عندهم لاتختلف عنها في اي موقع اخر وان كانت هنا لها طعم خاص حيث كانت الافراح تنطلق بان يقوم صاحب الحفل بدعوة جماعته واصحابه الى مشاركته في زواجه الذي عادة يبدأ يوم الاربعاء وينتهي يوم الجمعة والتي خلالها يبدأ التوافد وخلال ذلك تتم العادة الدارجة والمتوارثة في هذه القبيلة بان يأتي المدعو بما يسمى «المعونة» وهي راس من الغنم او الابل او اكثر من ذلك بقدر استطاعته ويبدأ حفل الزواج في النهار بسباقات واستعراضات للهجن والخيل حتى يحين وقت العصر والذي يبدأ فيه المنافسة في الرماية والتي عتبر مصدر فخر لهم فيما ينتهي ذلك اليوم ليلا بالتسامر والرقصات الشعبية المتوارثة رقصة «الدحة» التي تتكون من صف واحد والذي يبدأ بنزول الشاعر في هذا الصف ويقوم بالمدح والتوصيف او النصح بعدة الحان، ومع التغيرات العصرية التي باتت ظاهرة في وقتنا الحالي اختصر حفل الزواج واصبح يقام في صالات الافراح وتقدم فيه وجبتا الغداء والعشاء مع احتفاظهم بعاداتهم الشعبية في التسامر حتى الصباح.