الشوفينية كمصطلح منسوبة إلى الجندي الفرنسي نيكولاس شوفين الذي كان شديد الولاء لنابليون ولفرنسا لدرجة مبالغ فيها. ما يهمنا هو مفهوم الشوفينية كمصطلح سياسي. أغلب القراء يعرف أنه يشير إلى حب الوطن ولكن بشكل هوسي ومرضي. بالعادة تكون المسألة ليست حبا للوطن بقدر ما هي كره لأعدائه. فالكره هو أساس التعصب الشوفيني.
يمكن لنا أن نتوسع في مفهوم الشوفينية ليشمل ليس الإفراط في حب الوطن بل وحب القبيلة أو المنطقة أو المذهب. سأتخلى الآن عن كلمة «حب» لما تحمله من قيم سامية لا يمكن للتعصب احتمالها، وسأستعيض عنها بكلمة «الولاء المفرط».
ما هي أهم مظاهر الشوفينية؟ أو ما هي العلامات التي إذا رأيناها في المجتمع أدركنا أنه موبوء بداء الشوفينية؟
العلامة الأولى: المبالغة في تطهير الذات الثقافية وتنقيتها من العيوب والخطايا. المرء هنا يعتبر أن ثقافته أو وطنه أو مجتمعه كامل وخال من العيوب، وإذا وجدت العيوب أو النواقص فإن مصدرها ليس الثقافة وإنما شيء خارج عنها ودخيل عليها في الوقت نفسه. هكذا يتم اختراع «الدخيل». الدخيل في الأدبيات العربية الكلاسيكية صفة تتنافى مع «الأصيل». الأنا والآخر أو الأصيل والدخيل هي المعادلة السهلة التي يمكن من خلالها ضمان تطهير المجتمع من أي شائبة. إذن، أي خطأ يحدث فهو ـ حسب المنطق الشوفيني ـ يكون ناجما عن العناصر الدخيلة لا الأصيلة.
العلامة الثانية: احتقار الآخرين. هذا المظهر لازم للأول. فوجود الآخر ضروري لتنقية الذات. هذا الآخر تبعا للوعي العام هو سبب كل النواقص والعيوب، إنه لا يستحق الاحترام. بل إن نار الكره الشوفيني تمتد لتطال حتى «الآخرين» البعيدين عن مركز الذات. كل ما ليس داخلا من نطاق هذا المركز لا يستحق هو ولا ثقافته ولا تاريخه أدنى احترام وتقدير! كل شوفيني يعتبر نفسه ومجتمعه أفضل بمراحل من «الأغيار» أو الآخرين.
العلامة الثالثة: التشنج والتوتر. داخل الأفق الشوفيني يكون كل امرئ ـ حتى الشوفيني نفسه ـ معرضا للخطر: خطر الاتهام بخيانة الوطن أو المذهب أو القبيلة. هنا يسود الخوف وتكثر الدسائس وإشعال الفتن.. وما أسهل ما يتم إشعالها في جو ملتهب كهذا الجو. إن الكره لا يولد سوى الكره. فـ «كره» الشوفيني للثقافات والمذاهب والأمم الأخرى يجعل قلبه مليئا بالكراهية فلا يعود قادرا على إعطاء «الحب» لأحد!
العلامة الرابعة: التحيز الفج. شيء طبيعي بعد العلامات السابقة أن يكون الشوفيني متحيزاً في أحكامه. إنه بعيد عن الموضوعية وعن الصدق. فمثلا: تجد أن الشوفيني يبالغ في تمجيد مكتسبات وطنه أو أمته بشكل لا يمكن للعاقل أن يتقبله. حتى ما هو من اللمم فإنه ينفخ فيه ويجعله مأثرة خالدة. بالمقابل تراه ينتقص أفعال وإنجازات الآخرين مهما وسعه ذلك. إنه ـ في لا وعيه ـ يظن أنهم غير أكفاء لإنجاز شيء عظيم. وإذا اضطر لأن يعترف بهذا الإنجاز فإنه يسارع في نسبته إلى ثقافته (لعلكم تتذكرون بعض من يعتبر أن إنجازات الغرب إنما هي مجرد انتحال لمآثر العرب القديمة!).
أخيراً. سأجمل الأسباب التي تدفع للشوفينية ـ ولربما فصلناها في مقال آخر ـ. الأسباب باختصار: الجهل الذاتي والغيري (جهْل الشوفيني بضعفه من ناحية وبقوة غيره من ناحية أخرى!)، والانغلاق على الذات، و سيادة نمط اجتماعي واحد خال من التنوع والاختلاف. وهذا العامل الأخير هو أخطرها: فإجبار المجتمع على ثقافة واحدة ومذهب واحد وسلوك واحد معناه التعدي على ثقافة المجتمع نفسه؛ وهذا العمل لا يفضي إلا إلى مزيد من التوتر والعداء المضمر المتبادل.


للتواصل أرسل رسالة نصية sms إلى 88548 الاتصالات أو 636250 موبايلي أو 737701 زين تبدأ بالرمز 118 مسافة ثم الرسالة