على مر الأيام والعصور، أثبت كثير من المعاقين بأنهم مبدعون، فمن منا لم يسمع عن الشاعر أبي العلاء المعري والأديب طه حسين والشيخ أحمد ياسين في الشرق، والأديبة هيلين كيلر والطبيب ديفيد هارتمان والموسيقار بيتهوفن في الغرب وغيرهم.. أبدعوا في شتى المجالات وأظهروا تفوقاً منقطع النظير!
وقد شاهدنا في برنامج تلفزيوني عالم الفيزياء البريطاني ستيفن هوكن، وهو يجلس على كرسي متحرك. فمنذ أربعين عاماً وستيفن يتحدى إعاقته الجسدية، في الحادية والعشرين من عمره أصيب بمرض عصبي أدى إلى الشلل، كما أنه فقد حاسة النطق قبل سنوات.. وبرغم ذلك حصل على 12 درجة فخرية وجوائز عدة بينها واحدة مُنحت سابقاً للعالم إنشتاين صاحب نظرية النسبية.. وقد زار ستيفن هوكن مؤخراً فلسطين لدعم الشعب الفلسطيني وخاصة الشباب للتغلب على الواقع المأساوي، وهو بذلك يفتح عبر عقله آفاقاً جديدة في التفوق والنبوغ، وإن إعاقته لم تحول بينه وبين الإبداع.. فهو نموذج للإرادة الشخصية التي يجب الاحتذاء بها في جميع المجتمعات، فالإرادة تصنع المعجزات.
ويهتم الغرب كثيراً بالمعاقين، ولا يُقلل من قدرات هذه الفئة بل لهم مدارسهم المتخصصة وأطباؤهم الذين يتابعونهم أثناء الدراسة بالإضافة إلى توفير جميع التجهيزات التي يريدونها.. وتختلف نظرة المجتمعات نحو المعاقين وفقاً لدرجة الوعي، وكثير من أفراد المجتمع ينظر للمعاق نظرة الشفقة والعطف.. وصرح أحد خبراء المنظمة العالمية للأمم المتحدة بأن المعاقين غالباً ما يتم تهميشهم والتغاضي عنهم في المشروعات الإنمائية، رغم أن بناء معارفهم ومهاراتهم وتمكينهم من تحسين دخلهم وخلق فرص العمل لهم من شأنه أن ينهض بسبل معيشتهم..
والعصر الحالي يحمل في طياته نقلة نوعية وكمية في مجال تقديم خدمات التربية الخاصة على كافة الأصعدة التي تعكس مدى الوعي والاهتمام بالمعوقين. ومن المهم فهم مدى الإعاقة وكيفية التعامل معها مهما كانت أسبابها وأشكالها، وفهم احتياجات كل معاق، وحقه في العلاج والرعاية الطبية، وتوفير الخدمات التشخيصية والعلاجية والتأهيلية الشاملة للأفراد المعوقين، كما يطالب المختصون والمهتمون بتفعيل القوانين والتشريعات الخاصة برعاية وتأهيل المعوقين، وإيجاد استراتيجية موحدة تكفل حقوقهم في مختلف مراحل حياتهم.. والقدرة في التغلب على الإعاقة تعتمد على عوامل عديدة ومختلفة، من أهمها عامل شخصي، يخص المعاق، وتكيّفه مع نفسه وهو عامل مهم جداً، كما أن نسبة الدعم الاجتماعي المتوفر لهذا الشخص من الأسرة والمجتمع له أهمية عظيمة في تشجيعه على الإنجاز والنجاح.. والجمعيات الخيرية والمنظمات الحكومية لها دور فاعل في تحسين قدرات هؤلاء الأفراد ودعمهم روحياً.. والإعاقة عامل من العوامل التي تضاف إلى العوامل الأساسية التي تدفع إلى الإبداع والنبوغ، فهناك دافع سيكيولوجي لنفس الفرد للتغلب على الإعاقة، والدافع الثاني فسيولوجي تعويضي مما ينمي قدرات أخرى عند المعاق..
وتحتفل شعوب العالم بـ«اليوم العالمي للمعاقين» في الثالث من ديسمبر من كل عام، الذي تم استحداثه من قبل الجمعية العمومية للأمم المتحدة في عام 1992م، ويعتبر هذا اليوم مناسبة للمطالبة بوضع استراتيجية عالمية تكفل حقوق المعاقين وخصوصاً في مجال التأهيل والرعاية والحماية الاجتماعية واندماجهم في المجتمع، وترقية مواهبهم وتطوير مجال نبوغهم وتوفير الدعم لهم. فالمُعاقون لهم حاجتهم البدنية والنفسية والعاطفية، فعلينا أن نتساءل هل ساعدنا هذه الفئة كما حثنا على ذلك ديننا الحنيف؟ وهل شاركنا في نشاطٍ معهم؟ وهل فكرنا كيف نتعامل معهم؟ وكيف نزرع الثقة في نفوسهم لنجعل منهم أعضاء فاعلين في المجتمع؟ وكيف نوفر لهم المناخ المناسب الذي يدفعهم للإبداع؟
* قسم علوم الأحياء- كلية العلوم- جامعة الملك عبدالعزيز
talzari@yahoo.com