قلما أكتب في زاويتي المتواضعة هذه عن أشخاص بأعينهم أُزكيهم أو أُسلّط عليهم الأضواء. فالأشخاص الذين كتبتُ عنهم على مدى عقد من الزمن يُعدون على الأصابع، فمذهبي في الانتقاد هو التركيز على العمل لا على الشخص الذي قام بالعمل المُنتقد، فإن كان العمل سيئاً نهجتُ النهج النبوي في النهي عنه واتبعتُ أسلوب: «ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا» كما علمنا سيدنا معلم الإنسانية محمد صلى الله عليه وسلم، فلا أتعرض للأشخاص بأعينهم وإنما أتصدى للعمل الشائن أحاربه بقلمي وأدفع وأدافع بقدر ما رزقني الله من قوة ووفقني إليه من بصيرة وحكمة في الدعوة إليه.
أما أصحاب الأعمال الخيرية والنماذج الصالحة فإنني أجد أنه من واجبي أن أُسلط الأضواء عليهم بعلمهم أو دون علمهم، فمجتمعاتنا أحوج ما تكون لتلك القدوات فهي تحيي في المجتمع روحاً طيبة وتعيد الأمل في هذه الأمة.
وهل أرسل الأنبياء إلا ليضعوا لنا القدوة ويكونوا لنا أسوة.
فأصحاب القدوة والأسوة الحسنة هم الذين جعلوا لبعض قضايا الأمة نصيباً من همومهم رجاءً لرضى الله وإيماناً باليوم الآخر، وعلى قدر ما مكّنوا لهذه القضايا من همهم مكَّنت هذه القضايا لهم من معانيها فاستمدوا من هذه الهموم قواهم لتصبح هذه القوة عملاً ظاهراً ينتفع به الناس.
يقول الرافعي في كتابه «وحي القلم»: ففي رجاء الله واليوم الآخر يتسامى الإنسان فوق هذه الحياة الفانية، فتمر همومها حوله ولا تصدمه، إذ هي في الحقيقة تجري من تحته فكأن لا سلطان لها عليه، وهذه الهموم تجد في مثل هذه النفس قوى بالغة تصرفها كيف شاءت، فلا يجيء الهم قوة تستحق ضعفاً، بل قوة تمتحن قوة أخرى أو تُثيرها لتكون عملاً ظاهراً يُقلده الناس وينتفعون منه بالأسوة الحسنة، والأسوة وحدها هي علم الحياة.
وقد ترى الفقير من الناس تحسبه مسكيناً، وهو في حقيقته أستاذ من أكبر الأساتيذ يُلقي على الناس دروس نفسه القوية) انتهى كلام الرافعي.
والنموذج الذي أتحدث عنه اليوم هو شاب في مقتبل عمره قابلته قبل بضعة أعوام في برنامج «يللا شباب» فرأيت فيه نموذجاً مميزاً يستحق النظر فيه، أخذت أرقبه عن بعد على مدى ثلاثة أعوام حتى أتحقق من هذا النموذج قبل أن أكتب عنه..
ولو طُلب مني أن ألخص في جملة واحدة من هو أحمد الشقيري، لقلتُ أن لسان حاله وعمله يثبت لنا جميعاً أن الدعاة إلى الله يأتون في قوالب مختلفة وهيئات مختلفة وصور مختلفة يحكمها المكان والزمان والأشخاص ويُحكم عليها بقدر فعاليتها في الوصول إلى عقول وقلوب المجتمع وما تنجزه هذه الدعوة على أرض الواقع من زيادة في الخير وانحسار للشر.
رأيته في رمضان في برنامج «خواطر شاب».. لغة بسيطة سلسلة تعالج قضايا المجتمع، تصل كلماته إلى القلوب بكل يسر وسهولة دون تكلف أو تصنع، يخاطب العقل والوجدان في آن واحد..
منطق حر سليم.. وممارسة عملية لفقه الدعوة إلى الله.. وفهم عميق للمقاصد العليا للشريعة تطبيقاً على أرض الواقع.
وأقوى من كل ذلك المنهج الذي قدمه هذا الشاب النموذج لشباب جيله من خلال عمله هذا مظهراً ومخبراً، فكان بذلك من أكثر الدعاة تأثيراً على شباب جيله يتحدث بلسانهم ولغتهم التي قد لا يملكها إلا القليلون..
ولم يكن هذا ليكفيه.. بل جعل همه أن يعيد أمة اقرأ التي لا تقرأ اليوم إلى أمة قارئة فوضع نموذجاً للمقهى الإسلامي ينافس به المقاهي الأخرى التي أخذت منحنى قتل الوقت.. فكانت «الأندلسية» أول مقهى إسلامي يُعيد للكتاب مكانته، وليكون نواة تحفيز شباب أمة إقرأ على القراءة.
لا يسعك وأنت تضع قدمك داخل «الأندلسية» إلا أن تشعر بروح هذا الفتى في أرجاء المقهى.. روح طيبة تشهد له وللمكان..
وتعود بك الذكريات إلى أيام العز لأمة العلم والفكر وترى الشباب يقرأون.. نعم يقرأون.. وما أجمل أن ترى هذا المنظر..
كُتب منتشرة في أرجاء المكان انتقاها الشباب بعناية فائقة لتقرأ في المقهى، مقهى يقصده الكتاب والمفكرون والمؤلفون.. وكلُّ من يحترم الفكر والعقل والكتاب..
إن أعظم نعمة يكتبها الله لعبد من عباده هي أن يكون قدوة صالحة لغيره يصلح الله به من حيث يدري ومن حيث لا يدري.
بارك الله لك وبارك الله فيك يا أحمد وأكثر الله من أمثالك..
فمجتمعاتنا ووطننا أحوج ما تكون لك ولغيرك من النماذج التي تصنع النماذج.
* طبيب استشاري ورئيس مجلس إدارة المركز الطبي الدولي
فاكس 6509659
okazreaders@imc.med.sa