-A +A
فؤاد مصطفى عزب
كنت أجلس أنا وأحد أصدقاء العمر يحكي لي عن حكاية مؤلمة من حكايات الدنيا الرديئة يقول لي انتقلت مؤخراً إلى عمارة الناس فيها سواسية في الأرزاق.. تقيم في إحدى الشقق امرأة وحيدة شابة فقدت زوجها في حادث بعد عدة شهور من زواجهما.. حاولت بنقودها القليلة البقاء ريثما تضع مولودها وتعود بعد ذلك لموطنها، زوجها شاب من أولئك الوافدين الذين سعوا على جناح الطموح العاصف ليخرقوا المجهول وليبنوا فيه صروح غدهم وللأسف انتهى المسكين أن أصبح حجراً صغيراً يرقد في قاع قبر وتعاطف سكان العمارة مع هذه السيدة في البداية إلا أنهم ما لبثوا أن غفوا عن قصة ذلك الشاب كقطيع من الماعز تحت ظل وأصبحت الحادثة بعد شهور كالجرح المنسي، انصرف الجميع كالبهائم يعدون وراء العلف رغم أن تلك الزوجة ظلت تقيم في العمارة..
في إحدى اليالي أتاني صوت امرأة حاد مثل بريق شفرة لم تستعمل كانت تصرخ بأعلى حبل في حنجرتها كان صوتها عاليا كانهدام مئة بناية دفعة واحدة تخاذلت ساقاي لم يكن معي أحد في الشقة الجميع ذهبوا «للعمرة» شعرت أن تلك المرأة في قاع بئر عميق نضبت فيه المياه تستغيث ولا من مجيب، أخذت معي خادمتي امرأة عجوز من أصول فلاحية قوية البنية اقتحمنا الشقة لنجد السيدة تتكوم على الأرض ذابلة كوردة في مزهرية لا ماء فيها تسبح في دماء وغرفتها تغرق في شلال من الظلام كانت تستخدم دستة شموع تحرقها لتبدد الظلمة فقد انقطع التيار الكهربائي عنها لعدم قدرتها على السداد.. كان الجو خانقا والمنظر يطحن العظام ويعجنها، ظلت اللحظات ثقيلة تدوسني بعجلات من فولاذ تسحق أعصابي حتى سمعت أجمل صوت، لم أكن أعلم قبل هذا الموقف أن صوت الطفل يشفي كل شيء.. تلقفت الأم ذلك الشيء الصغير العاري كبصلة بيضاء أزيلت عنها قشرتها، عيناه مغمضتان وهو على صدر والدته كأنه طائر أبيض لم تنبت له أجنحة.. شعرت بانكسار وحشي ينتابني فعذاب تلك المرأة المضاعف ووجعها للأسف يعبر وبعفوية سوداء عن حقيقة ما نحن فيه.. هل تقاعد الإحسان!!
هل أصبحنا نعيش في عالم من صفيح!! هل أصبحت هذه الدنيا سجناً كبيراً بلا سياج كل مخلوق لا يفكر إلا بنفسه!! كان يسألني بدموع سخية كانت تكفي لغسل خطايا كل من كانوا في العمارة، نظرت إليه وإحساس غامض يجتاحني قلت له هناك قصص كثيرة تختبئ داخل البشر والبشر يختبئون وراء جدران بيوتهم تمنعهم كرامتهم من مد يدهم لغريب مثل شحاذ مصاب بسرطان ولا أحد يصدقه، لكن دعني أذكر لك موقفاً عشته في «أمريكا» يعتبر وسيلة حديثة للإحسان فالأفكار مواقف شركة الكهرباء وشركة الغاز هناك لديها برنامج تطلق عليه «الجار للجار» في الصيف عندما يصبح العالم كله جمرة حمراء ملتهبة وكذلك في الشتاء عندما تبرز أنياب البرد المسعورة تجد مع فاتورتك قسيمة تشعرك بأن جارك غير قادر على دفع فاتورته وتدعوك للمساهمة بمبلغ إن دفعته تقوم الشركة بدفع مبلغ مساو للمبلغ الذي دفعته لتشارك معك في الإحسان، فكرة بسيطة قابلة للتطبيق تحتاج إلى حماس غير حيادي من مسؤول من أصحاب النفوس الخيرة ليجعل منها حقيقة.. ولعل الشراع يفيق!!