-A +A
فؤاد مصطفى عزب
أحضروه إلى الطوارئ في وقت متأخر من الليل.. كان شاباً في عنفوان العمر.. يتلوى من الألم.. كان مصاباً بحروق في مناطق مختلفة من الجسد.. روت لي والدته القصة.. لم يكن في عينيها دمع بل قطرة زنك تزحف على خديها.. قالت لي: كعادته عاد متأخراً. سألته عن سبب تأخره تجاهلني ولكنه لم يفلت من حصار عينيَّ، أعدت السؤال عليه أجابني في ضيق وهو يمسح سيلا من العرق عن جبهته وبتطاول وعصبية: الموت منقذي منك ومن سؤالك، اعترضت أخته على طريقة إجابته فضربها على وجهها بقسوة وذهب نحو المطبخ.. كانت ترتب القصة بنفس ترتيب البداية والنهاية.. دائماً هو عاطل عن العمل.. عن الحنان.. عن الحياة، استفزني تصرفه صرخت بأعلى صوتي (الله يحرقك) هذه المرة لم يسمعني من في الشارع فقط بل سمعتني السماء طباقاً.. صح الدعاء ونزل غضب الله عليه.. لحظات سمعت صوته في المطبخ.. أمسكت النار بقميصه ? يتذكر كيف انتهت النار إلى صدره.. نقلناه إلى الطوارئ إليكم.. كانت تمرغ وجهها في شعره وتصيح.. ليت صوتي لم يخرح من فمي.. وتم إسعافه.. ظل يتلقى الدواء عن طريق الفم والوريد واعتني بحروقه حتى شفي وعاد للبيت.. وعاد كل شيء في البيت إلى طبيعته إ? هي أصبحت بعد ذلك لم تعرف للنوم طعماً.. أصبحت اليقظة المستمرة تهزمها كل يوم.. تأتيها الخواطر القاسية تردد بحسرة ليتني لم أدعُ عليه.. وظلت تتردد على عيادة الأمراض النفسية لفترة طويلة.. لقد استجاب الله لدعائها في تلك اللحظة فهو القريب الذي يجيب الداعي إذا دعاه..
لقد قرأت مرة أن سليمان عليه السلام كان يتأهب لحضور حفل زفاف ابن أحد الأعيان فجاءه ملك الموت وسأله عن وجهته فأخبره، فقال له ? تذهب فإنني مكلف بقبض روح العريس في هذه الليلة، ووجد النبي الكريم حرجاً في الذهاب لعرس سيتحول إلى مأتم فلم يذهب، وفي اليوم التالي قابله والد العريس معاتباً عن عدم حضوره فلم يحَر النبي جواباً لكنه عاتب ملك الموت فرد عليه الملك كنت ذاهباً فعلاً لكنني أُمرت بالتراجع والسبب أن عجوزاً فقيرة كانت تجلس في مكان العرس.. رآها الأب فذهب ليسألها عن حاجتها فأخبرته بأنها جائعة فما كان منه إ? أن أحضر لها من الطعام المخصص لك أي أنه لم يطعمها من طعام المحتاجين بل من طعام الملوك وكان سليمان ملكاً.. فدعت العجوز للعريس بطول العمر فاستجاب الله الدعاء في الحال.. كانت والدتي رحمة الله عليها تغمرني بالدعاء.. ينساب من فمها كالعسل ويعلم الله أنني ما مددت يدي إ? لله بسبب ذلك الدعاء وتبسم لي الزمان بسبب دعائها في أوقات لم أستطع تحديد ملامح الناس فيها، وكانت الدنيا معتمة في كل الاتجاهات وشفاني الله من أمراض ورفع عني الضر وكان دعاؤها هو الطبيب والدواء وذهبت لآخر الدنيا وعدت غانماً فائزاً وتجاوزت من هو أفضل مني بدعاء أمي ومشيت في دهاليز وممرات غارقة في العتمة وتعثرت قدماي ولم أسقط بفعل دعاء أمي، وذُبحت يوماً كشاة وقذف بي في غياهب جب ودُفع بي إلى هوة ليس منها صعود ولم أتخيل نفسي بناجٍ وانتشلني دعاء أمي.. لقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الدعاء على الأبناء فقال «لا تدعوا على أنفسكم ولا تدعوا على أولادكم ولا تدعوا على أموالكم لا توافقوا من الله ساعة يُسأل فيها عطاءً فيستجيب لكم»، فلا تدعوا على أو?دكم فإن الدعاء على الأو?د لن يزيدهم إ? فساداً وعناداً وعقوقاً.. ادعوا لهم و? تدعوا عليهم.