وصلاً وتتمة لما كتبناه عن ضرورة الاهتمام بتعلّم وتعليم السيرة النبوية الشريفة، وتقدير الرسول صلى الله عليه وسلم حق قدره، وذلك ضمن الموضوع المعنون: وواجبنا كبير، الذي نشر في جريدة «عكاظ» العدد 14676 وتاريخ 10/10/1427هـ، نحاول هنا المساهمة مع الغير -من الأفاضل الذين اهتموا بالموضوع- إلقاء ضوء على مصادر السيرة لعل في ذلك تسهيلاً للقارئ وإرشاداً له إلى طبيعة هذه المصادر كيف بدأت وكيف تطورت وكيف هي الآن.
الفضل هنا ليس لنا بقدر ما هو للأستاذ الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي، في كتابه القيم: «فقه السيرة النبوية مع موجز لتأريخ الخلافة الراشدة»، دورنا لا يتعدى الاختيار والتلخيص، ونقتصر في ذلك كله على ما جاء في القسم الأول تحت عنوان: «السيرة النبوية: كيف تطورت دراستها وكيف يجب فهمها اليوم» (ص ص24-42)، نوجز ذلك فيما يلي:
1- السيرة النبوية تشكل المحور الذي تدور حوله حركة التدوين لتاريخ الإسلام في الجزيرة العربية، بل هي العامل الذي أثر في أحداث الجزيرة العربية أولا ثم في أحداث سائر العالم الإسلامي ثانياً.
2- وجد الأوائل أنفسهم أمام ضرورة دينية تحملهم على تدوين السيرة النبوية تدويناً صحيحاً على نحو لا يشوبها وهُم ولا يتسلل إليها خلط أو افتراء لأنهم علموا أن سيرة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وسنته هي المفتاح الأول لفهم كتاب الله.
3- تأتي كتابة السيرة النبوية -زمنياً- في الدرجة الثانية بعد كتابة السنة.
4- لعل أول من اهتم بكتابة السيرة النبوية عموماً هو عروة بن الزبير (المتوفى سنة 92هـ)، ثم أبان بن عثمان (المتوفى سنة 105هـ) ثم وهب بن منبه (المتوفى سنة 110هـ) ثم شرحبيل بن سعد (المتوفى سنة 123هـ) ثم ابن شهاب الزهري (المتوفى 124هـ) غير أن ما كتبه هؤلاء قد باد أكثره وتلف مع الزمن ولم يبق منه إلا بقايا متناثرة روى الطبري بعضها.
5- جاء في الطبقة التي تلت أولئك من تلقف ما كتبوه فأثبتوا جله في مدوناتهم. كان في مقدمة هؤلاء محمد بن اسحاق (المتوفى سنة 152هـ). وقد اتفق الباحثون على أن ما كتبه ابن اسحاق يُعدّ من أوثق ما كتب في السيرة النبوية في ذلك العهد رغم أن كتابه «المغازي» لم يصل إلينا بذاته.
6- ثم جاء ابن هشام، وهو الذي جمع سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم من المغازي والسير لابن إسحاق وهذبها ولخّصها، وهي السيرة الموجودة بأيدي الناس اليوم والمعروفة بسيرة ابن هشام.
7- إن مصادر السيرة النبوية التي اعتمدها سائر الكتّاب محصورة في: (1) كتاب الله سبحانه وتعالى. (2) كتب السنة، كالكتب الستة وموطأ مالك ومسند أحمد بن حنبل، وتجدر الإشارة هنا إلى أن كتب السنة هذه تتصرف عنايتها أولاً إلى أقوال رسول الله صلى الله عليه وسلم وأفعاله من حيث أنها مصدر تشريع لا من حيث هي تأريخ يُدوّن، (3) الرواة الذين اهتموا بسيرة النبي صلى الله عليه وسلم وحياته عموماً. وما من صحافي كان مع رسول الله في مشهد من مشاهد سيرته إلا ورواه لسائر الصحابة ولمن بعده.
8- في تلك المرحلة كان هَمّ كتَّاب السيرة تثبيت ما هو ثابت منها بمقياس علمي يتمثل في قواعد مصطلح الحديث المتعلقة بكل من السند والمتن، وقواعد الجرح والتعديل الخاصة بالرواة.
9- تأثرت كتابة السيرة النبوية في العصر الحديث بالمذهب الحديث في كتابة التأريخ حيث لا يرى أقطاب هذا المذهب من ضير في أن يقتحم المؤرخ نزعته الذاتية أو اتجاهه الفكري والديني أو السياسي في تفسير الأحداث، وتعليلها والحكم عليها وعلى أصحابها.
هكذا بدأت تظهر كتب وكتابات في السيرة النبوية تستبدل بميزان الرواية والسنة طريقة الاستنساخ الشخصي وميزان الرضا النفسي. واعتماداً على هذه الطريقة أخذ يستبعد هؤلاء الكتاب كل ما قد يخالف المألوف من وجهة نظرهم مما يدخل في باب المعجزات والخوارق من سيرته صلى الله عليه وسلم، وراحوا يُروِّجون له صفة العبقرية والعظمة والبطولة وما شاكلها شغلاً للقارئ بها عن صفات قد تجرّه إلى غير المألوف من النبوة والوحي والرسالة ونحوها مما يُشكل المقومات الأولى لشخصية النبي صلى الله عليه وسلم (انظر مثلاً كتاب محمد حسين هيكل: حياة محمد. وكذلك كتابات المستشرقين).
10- الاهتمام بهذه المدرسة المشار إليها أعلاه في كتابة السيرة وفهمها إنما كان منعطفاً تأريخياً مرّ وعبر، فقد انجابت الغاشية وصفت أسباب الرؤية السليمة أمام الأبصار.
«من المعلوم أن محمداً صلى الله عليه وسلم.. قدَّم نفسه إلى العالم على أنه نبي مُرسل من قبل الله عزّ وجل إلى الناس كافة... ولم يُقدم نفسه إلى العالم زعيماً سياسياً، أو قائداً وطنياً أو رجل فكرة ومذهب، أو مصلحاً اجتماعياً... بل لم يتخذ لنفسه خلال حياته كلها أي سلوك قد يوحي بأنه يسعى سعياً ذاتياً إلى شيء من ذلك. وإذا كان الأمر هكذا، فإن الذي يفرضه المنطق علينا، عندما نريد أن ندرس حياة رجل هذا شأنه، أن ندرس حياته العامة من خلال الهوية التي قدم نفسه إلى العالم على أساسها. (ص39-40). أ.هـ.
وإذا كان لنا من إضافة نضيفها إلى ما سبق اختصاره فهي إضافة تتصل بأمرين هامين: أولهما وجوب الاهتمام بآثاره صلى الله عليه وسلم وإزالة ما لحق بها من إهمال، والعناية بها نزولاً عند رأي الغالبية العظمى من علماء المسلمين وعامتهم. ولعل برنامج الصوت والضوء يرى النور فيقدم شرحاً وافياً لتأريخ كل أثر وبذلك تشكل الآثار الإسلامية مصدراً آخر من مصادر السيرة النبوية الشريفة. أما ثانيهما فإن تعليم وتعلّم السيرة يجب أن يتم في ظل حب لا يُضاهيه حب للحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم وتقدير وإجلال يليق بمقامه الكريم، تمشياً مع الآية الكريمة }ورفعنا لك ذكرك|.
صلوات ربي وسلامه عليك يا حبيبي وسيدي يا رسول الله.