عبداللطيف الوحيمد (الأحساء)
يعود وجود مدينة الهفوف بالأحساء الى ما قبل القرن التاسع الهجري كما يذكر مؤرخ الأحساء الشيخ عبدالرحمن بن عثمان الملا في كتابه (تاريخ هجر)، ومن الدلائل والقرائن على ذلك تاريخ إنشاء الجامع الجبري في حي الكوت في بداية القرن التاسع الهجري الذي أسسه الأمير سيف بن حسين الجبري سنة 820 هـ، الأمر الذي لا يدع مجالا للشك بأن هذا الجامع لم يكن ليقام في هذا الموقع لو لم تكن مدينة الهفوف قائمة وآهلة بالسكان قبل تاريخ إنشاء الجامع.

ومما يعزز هذا الاعتقاد أن حي الكوت الذي يقع به الجامع لم يكن أسبق الأحياء إلى الوجود حيث ثبت أن أول حي اختط بهذه المدينة هو حي الرفعة الشمالية الذي قام على أنقاض عمران سابق، وقد تناقل الثقات أضرحة عثر عليها فيه دفن الأموات فيها وهم وقوف داخل توابيت الأمر الذي يؤكد أثرية هذا الموقع قبل انبثاق الإسلام.
أحياء العلم
ومن الأحياء القديمة في الهفوف حي الرفعة أقدم أحيائها وقد ورد في كتاب تاريخ هجر قول لأحد الثقات بأنه تم العثور على بقايا حضارة في الجهة الوسطى من هذا الحي تعود لأحد العصور السحيقة التي عاشتها الأحساء قبل الإسلام ويشتمل هذا الحي على ثلاث حلال وهي الرفعة الشمالية والرفعة الوسطى والرفعة الجنوبية ويقع هذا الحي في الجهة الشرقية من الهفوف بمحاذاة حي الكوت.
ويعتبر حي الكوت موطن العلم والعلماء وهو من أعرق أحيائها ويقع فيه قصر إبراهيم الأثري المبنى سنة 840هـ وقد شهد هذا القصر حدثا تاريخيا خالدا، إذ استطاع الملك عبدالعزيز آل سعود يرحمه الله السيطرة عليه في أول يوم استرجع فيه الأحساء من العثمانيين في 28/5/1331هـ.
والكوت على ما يرى بعض الباحثين كلمة كلدانية الأصل وتعني الحصن لأن هذا الحي كان طوال 400 سنة خلت يعد من أقوى القلاع وأكثرها تحصينا فهو محصن من جهاته الأربع بأسوار محكمة البناء وقد أزيلت سنة 1376هـ. وأول من حصن قلعة الكوت وبنى أسوارها هم الولاة العثمانيون في نهاية القرن العاشر الهجري وقد اتخذوا من الكوت مقرا لإقامتهم فبنوا فيه المساجد والجوامع والدور الحكومية والقصور والمرافق الأخرى.
كما أن حي الرقيقة كان مقرا لإقامة البدو الذين يحضرون إلى الهفوف في فصل الصيف وهم خليط من عدة قبائل وبمرور الزمن تكاثر عددهم وزادت رغبتهم في الاستقرار ليصبح هذا الحي مقرا دائما لسكنهم. وعلى مقربة من الرقيقة توجد رسوم مدينة قديمة قد تكون مدينة الرافقة إحدى المدن الدارسة في هجر كما ذكر المؤرخ الشيخ محمد العبدالقادر يرحمه الله في كتابه (تحفة المستفيد في تاريخ الأحساء القديم والجديد.
المساجد والتاريخ
توجد في الهفوف العديد من المساجد والجوامع القديمة التي يعود تأسيسها إلى عدة قرون ومنها المسجد الجبري ويقع في حي الكوت وقد أسسه سيف بن حسين الجبري في الربع الأول من القرن التاسع الهجري، ومسجد الدبس ويقع في حي الكوت وقد أسسه الوالي العثماني محمد باشا فروخ سنة 963هـ، وجامع القبة ويقع داخل قصر إبراهيم الأثري بحي الكوت وأسسه والي الأحساء العثماني علي بن أحمد بن لاوند البريكي سنة 979هـ، وجامع فيصل ويقع بحي النعاثل وأسسه الإمام فيصل بن تركي سنة 1272هـ وهو أكبر جوامع الهفوف القديمة.
الحرف التقليدية
تكثر الحرف التقليدية في الهفوف وتجتذب عشرات الآلاف من الناس الذين يزورون المهرجانات التراثية التي يتجمع فيها الحرفيون في تظاهرة جميلة تعيدنا إلى الماضي التليد الذي عاشه الآباء والأجداد الذين كانوا يعتمدون في حياتهم المعيشية على منتجات هؤلاء الحرفيين الكادحين طلبا للرزق وتوفيرا لحاجات المستهلك آنذاك ومن أبرز تلك الحرف صناعة الأقفاص والليف والنجارة والحدادة والصفارة والقياطين والندافة وصياغة الذهب وحياكة المشالح والخبازة والعطارة والمغزل والسدو والعباءات والأزياء والمأكولات والأعشاب.
وتبرز من بين مظاهر التراث الشعبي الفنون الحركية الأصيلة كالعرضة والسامري والعاشوري والغادري والحساوي فضلا عن الألعاب الشعبية التي كان يزاولها الصبية قديما في العصاري والليالي المقمرة داخل الأزقة والساحات وأفنية البيوت ومنها لعبة الهول والخطة واللبيدة والحجلة وأبو سليسل وطاق طاقية واللصقة والدريهوه والغميمة، وهذه الألعاب لا تتضمن التسلية والترفيه وقضاء وقت الفراغ فقط وإنما تحمل في مضامينها قيما تربوية تغرس مبادئ الحب والإخاء والألفة والتعاون وغير ذلك من القيم النبيلة.
متاحف الآثار
ويعد ضمن المتاحف الستة بالمملكة التي أقيمت لخدمة المناطق التي تتسم بأهمية أثرية وحضارية في إطار برنامج لحفظ الآثار ودراستها وتيسير الوصول إليها للجمهور ويقع في حي الصالحية ويحتوي قاعات عديدة لعرض تاريخ الأحساء عبر العصور الحجرية والعصر الإسلامي مع صور واقعية عن إنجازات العهد السعودي الزاخر بالعطاء، كما يحتوي ألوانا من التراث الشعبي وقاعة للصور، ومكتبة تضم الكتب الثقافية والتاريخية ومصادر ومراجع البحث العلمي، وأجنحة لمقتنيات هواة التراث.
لحمة المنازل
كانت منازل الهفوف منذ 50 عاما خلت مبنية على الطراز القديم فهي متراصة وتتخللها أزقة ضيقة ومتعرجة أحيانا وقد بنيت من الحجارة والطين ومسقوفة بجذوع النخل وتتكون من طابق مربع الشكل يتوسطها فناء فسيح تكتنفه الحجرات والمرافق من جهاته الأربع، وقد يوجد في داخل الحجرة حجرتان إحداهما فوق الأخرى وتتميز السفلية بالبرودة صيفا والدفء شتاء، والفاخر من هذه البيوت تطلى جدرانه بالجص الأبيض الناصع كما تزدان بالزخارف والنقوش والشرفات والأقواس المنشأة من الجص أيضا، أما السقف فهو من أخشاب مستوردة تتسم بالقوة والصلابة وتسمى (الدنكل) تصف متباعدة ويرصف فوقها في تناسق بديع رفائق خشبية مطلية بالألوان الزاهية حتى يبدو السقف كأنه البساط الموشى، وأخشاب الأبواب والنوافذ يتم استيرادها من الهند غالبا بأثمان باهظة ويتم تصنيع بعضها محليا ومن أهم مقومات المنزل في الهفوف احتواؤه بئرا يتم رفع الماء منها بواسطة الدلاء، وقد يشترك منزلان أو أكثر في بئر واحدة تحفر في زاوية تلتقي فيها المنازل المساهمة في حفر هذه البئر، ويوجد في كل منزل عدة مستودعات لخزن المؤن التي تكفي أهل المنزل طوال العام منها مستودع للتمور ومخزن لحفظ الأرز والحبوب والسمن ومستودع للعلف وغيرها وأكثر أثاث المنزل من صنع وإنتاج محلي.
وفي الوقت الذي أضفت الحداثة رونقها على الأحياء المستحدثة بما تزهو به من العمارات السامقة والمنازل الفخمة والشوارع الفسيحة المزدانة بالأشجار والمصابيح المتلألئة نجد أن الهرم أخذ يدب في أوصال الأحياء القديمة حتى استحالت منازلها أطلالا ورسوما بعد أن هجرها أهلها فأصبحت بعدهم كئيبة موحشة لا ترى فيها أثرا لجلال الماضي وهيبته ولا ظلا لجمال الحاضر وروعته فهي جاثمة عند عتبة الرجاء تنتظر أن تمسها اليد الحانية التي أحالت مواضع كثيرة من بلادنا إلى صور من أورع ما أبدعته مخيلة المعماريين في العصر الحديث. وأهم أحياء الهفوف الحديثة الخالدية والبندرية والزهرة والعزيزية والمثلث والمزروع والروضة والجامعيين والمعلمين والبصيرة والشهابية والمرقاب وجوبا والمنيفة ولذة والمنيعية والمحمدية والسلمانية وغيرها.


أكلات الأحساء لذائذ مغرية


تشتهر الأحساء بمجموعة من الأكلات الشعبية المفضلة عند أغلب سكانها لما تتمتع به من الطعم اللذيذ والشهي الذي يغري ويأسر من يتذوقه ومنها:
الهريسة: وهي من الأطباق الرئيسية لا سيما في شهر رمضان المبارك وتتكون من حب القمح النظيف الخالي من الشوائب والقشور، واللحم البقري الخالي من العظم، حيث يتم وضع اللحم والحب في قدر غلي ماؤه ثم يضاف الملح مع التحريك المستمر وبعد نضجه يهرس بالمضرابة حتى يتجانس اللحم والقمح ثم يوضع في طبق التقديم ويسطح بالزبد البقري الذي يكسبه مذاقا لذيذا.
الجريشة: وتتكون من اللحم منزوع العظم وحب القمح بعد جرشه، وتشبه طريقة الهريس في طبخه إلا أنها تختلف عنه بإضافة البصل المقطع والبهارات والطماطم والصلصة الحمراء والملح، ثم يضاف إليها اللبن أو الحليب حسب الرغبة وتترك على النار لتنضج ثم يضرب الخليط بالمضرابة وبعد ذلك تقدم في صحن وتزين بالزبد البقري.
المحمر: وهو نوع من الأرز الحلو ويتم طبخه بخلط الأرز مع السمن والسكر والربيان أو السمك.

أمثال شعبية

«أبو الطبع ما يجوز عن طبعه»
ويضرب عندما تتمكن من الإنسان عادة ولا يستطيع التخلص منها.
«أبوها صايغ وطوقها من ذهب»
والصائغ هو الحرفي الذي يصنع الذهب ويضرب في اكتمال الشيء أو تمامه.
«أبوي موب قوي إلا على أمي»
وموب معناها ليس، ويضرب في الشخص الذي يفرض قوته وشخصيته على الضعيف والأقل منه قوة ويكون تحت سيطرته في الوقت الذي يفترض أن تكون تلك القوة والهيمنة والسيطرة على من هم أعلى منه شأنا أو في مستواه على الأقل.
«أبوي موب هين إلا مع أمي»
وهو عكس المثل السابق، ويضرب في الزوج أو الأب الذي يكون صارما مع الأولاد وشديدا في معاملتهم إلا أنه مع الأم أو الزوجة يكون كالحمل الوديع.