نادر العنزي (تبوك)
في الشمال الغربي من مدينة تبوك، يبرز مكان تسكنه عبقرية متناهية، وتفوح منه رائحة التاريخ والعراقة، فيقف الإنسان متأملا حقبة سالفة تتراكم فيها السنوات، هذا المكان هو «مغاير شعيب» أو «مدائن شعيب».

«مغاير شعيب» أو «مدائن شعيب» ويطلق عليها كذلك (مدين)، هي تلك البقعة التي ورد ذكرها في القرآن الكريم .
قال الله تعالى في سورة هود بعد قصة قوم لوط: {وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ولا تنقصوا المكيال والميزان إني أراكم بخير وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط» (هود 84).
تقع ( مغاير شعيب ) في محافظة البدع إحدى محافظات منطقة تبوك و تبعد 225 كم إلى الشمال الغربي منها، وتقع مابين خطي طول 30 ـ 34 و30 ـ 35 شمالا ،وخطي عرض 00 ــ 28 و 00 ــ 29 شرقا.
كانت مغاير شعيب مستوطنة زراعية من عام 100 ق. م حتى عام 550 م حين أجبرت عشرون سنة من الجفاف سكانها من الأنباط على الانتقال شمالا إلى الهلال الخصيب.
وفيما تشكل الجبال المنحوتة، مغاير عجيبة تشبه إلى حد كبير واجهات قصور الأنباط في الحجر (مدائن صالح)، إلا أن مغاير شعيب لها خصوصيتها الأخرى.
وتبعد مغاير شعيب عن مدينة تبوك 225 كم غربا، وتشتمل على وحدات معمارية مشيدة بالأحجار وبئر، ومن أهم المعالم الأثرية وأبرزها، الواجهات النبطية في المغاير التي كتب عليها من الداخل العديد من النقوش اللحيانية النبطية وهذه الوحدات المعمارية المتنافرة دليل واضح على أمم كثيرة تعاقبت على سكن الواحة إبان ازدهارها التجاري والزراعي قبل الميلاد بعدة قرون كما يوجد بها موقع لمدينة من الفترة الإسلامية المبكرة .
وتعتبر «مغاير شعيب» من أهم المعالم الأثرية وتضم 16مقبرة، وهي واحة قديمة بها قبور منحوتة في الصخور، وترجع إلـى العصر النبطي، وهي عبارة عن كهوف وأضرحة نبطية محفورة بالصخر وأسلوب الحفر مشابه لما وجد في الحجر « مدائن صالح» ويدل على مظاهر القوة ولاسيما التجويفات الكبيرة داخل الجبل وقد نحتت الأضرحة المنحوتة المتعددة داخل هذه التجويفات الصخرية بشكل هندسي وأغلبها ذات مساحة واحدة.
يقول الباحث ومدير مكتب الآثار في منطقة تبوك يعرب بن حسن العلي إن منطقة شمال غرب المملكة بدأت بحضارات ما قبل التاريخ ثم حضارة عاد وثمود في الألف الثالث ق.م ،ثم حضارة مدين ولحيان والأنباط والرومان والفترات الإسلامية المبكرة والمتأخرة.
وذكر العلي أن مغاير شعيب تعد من أبرز المعالم الأثرية في منطقة البدع، وهى عبارة عن مقابر جماعية منحوتة فى تكوين جبلى من الصخر الرملي مشابهة لواجهات المقابر النبطية الموجودة فى الحجر (مدائن صالح ) والبتراء في الأردن.
وزاد: الأدلة الأثرية تؤكد أنها من عمل الأنباط100ق.مـ.106م حيث شهدت الواحة في هذه الفترة ازدهارا اقتصاديا وحضاريا وكانت نقطة تجمع للطرق التجارية التي تربط البتراء عاصمة الأنباط بميناء «لوكى كومى»، الشهير على ساحل البحر الأحمر، وبواحة الحجر في العلا، وبين أن هذه المنطقة قد جذبت اهتمام الرحالة والجغرافيين من المسلمين عند مرورهم بها، وظن البعض منهم أن هذه المقابر تخص قوم شعيب فأطلقوا عليها اسم «مغاير شعيب»، على اعتبار أن البدع تقع في أرض مدين التي عاش فيها شعيب وقومه، بل إن الأدلة التاريخية والأثرية والمعمارية تؤكد أنها من عمل الأنباط وقد تكون من عمل الأقوام العربية التي سبقت الأنباط غير سكنى الواحة ولعل نتائج التنقيبات والدراسات الأثرية المستقبلية في الواحة توفر إجابة عن تاريخ هذه المقابر وتبعيتها الحضارية.
أما الباحث في السيرة النبوية ومعالمها الدكتور تنيضب الفايدي فيقول « قد تتعدد الأجساد في الضريح الواحد، وتوضع بينها فواصل لوجود أجزاء منحوتة على حواف الضريح في أبعاد مختلفة وتكون هذه الأضرحة منحوتة في أرضية التجويف وعلى جوانبه بشكل طولي، وهناك أحجام صغيرة قد تكون للأطفال، كما أن هناك منحوتات كبيرة الحجم، مع احتمال استخدام بعضها بيوتا وهناك شبه كبير بين تلك الأحافير الموجودة في مدينة البدع ومدائن نبي الله صالح عليه السلام في مدينة العلا، سواء في الواجهات، أو المنحوتات الداخلية مع اختلاف الأحافير في البدع عنها في كل من الخريبة والحجر في العلا حيث إن الواجهات تتميز بالدقة والمهارة ولاسيما في جبال العلا (الخريبة والحجر)، كما تحوي العديد من الآثار المميزة منها الأضرحة المنحوتة بالجبال التي تعود إلى العصر النبطي، إضافة إلـى الآثار الإسلامية المبكرة.