علي فقندش ـ جدة
عندما تحتفي إذاعة صوت الخليج في الدوحة في العشرين من أكتوبر المقبل بالمبدع الكبير في عالم الشعر الشعبي الحديث وأحد. . بل وأبرز صناع الأغنية في المملكة والمنطقة الأمير بدر بن عبد المحسن . . عندها سيكون لـ «الألق» مواعيد.. لا موعد.. أول ينتظر «الموعد الثاني».. وهو الاسم الذي اختاره مدير مهرجان تكريم البدر في الدوحة.. الإعلامي والفنان والمسؤول محمد المرزوقي.
«البدر» شاعر مختلف وإنسان أكثر اختلافا إذ طالما اجتمعت صفات الإمارة والإبداع في الشعر في شخص واحد في كثير من الأزمنة وفي عصور متعددة لدينا نحن العرب وفي «بلاط» كثير من القادة والقياصرة والملوك في الغرب.
وليس ببعيد عن ذاكرة المتابع والمثقف العربي في تاريخنا العربي لمعان وبريق اسم الأمير الشاعر في بلاد الحمدانيين «أبي فراس الحمداني» الذي اجتمعت فيه الإمارة والفروسية ودنيا الإبداع في الشعر وكان العامل الأوسط هو ما أغاظ خصمه المتجاوزه شعرا المتنبي الذي ناصبه العداء لما له من وجاهة وإمارة ، ولما لم يجد المتنبي في نفسه من شجاعة ميدان وفروسية كان صراع العصر بينهما الشعر إلا أن الغلبة في الصراع لدخول سجلات التاريخ كانت للمتنبي رغم عدم امتلاكه للعنصرين الآخرين عدا الشعر فكان الأشعر.
أما بدرنا «بدر بن عبد المحسن» فظل يشع وجاهة وإمارة وشعرا منذ انطلاق موهبته شاعرا في مراحل اليفاعة وفي مراتع الصبا حيث عاش بين أعضاء أسرته الصغيرة من بين أسرته العظيمة بشكل عام ومعظم عناصرها شعراء ومبدعون وشاعرات ومبدعات.. نعم كان الأمر كذلك هذا ما قاله الأمير الشاعر في أمسيته في جامعة عفت في جدة منذ نحو عامين الأمر الذي أسس لشاعر كبير سيكون له في قادم السنين شأن عشناه بالفعل ليكون هو الأمل والمجدد لثنائية الشعر والموسيقى، بدر بن عبد المحسن الذي يكرم في كل يوم عند ترديد الحناجر أغنياته وإبداعاته.. سيكون تكريمه في الدوحة الشهر المقبل مختلفا، حدث له وزنه لأسباب عديدة أهمها أن المكرم على قدر كبير من الأهمية لحياتنا الثقافية والفنية في المنطقة بشكل كبير والمقصود بالمنطقة هنا جزيرتنا وخليجنا وإقليمنا الذي امتلأ وأشبع فنا وإبداعا سعوديا.. كان أبطاله كثيرين وأسماء لا حصر لها.. مثل الأمراء الشعراء.. عبد الله الفيصل.. خالد الفيصل ومحمد العبد الله الفيصل وحتى الملك فيصل بن عبد العزيز الذي كان شاعرا غير معلن عن هويته الأدبية والشعرية لما كانت تتطلبه المرحلة للشأن السياسي الذي كان يحتاج الكثير من الوقت والجهد في إظهار الوطن كيانا فاعلا في العلاقات الدولية، كذلك شاعرية شاعرنا بدر بن عبد المحسن الذي انطلقت شاعريته من البيت الصغير فوالده الأمير الراحل عبد المحسن بن عبد العزيز كان شاعرا فذا غير معلنة شاعريته بما يوازي عظمته كشاعر لانشغاله كأمير لواحدة من أهم مناطق المملكة «منطقة المدينة المنورة» ومن أهم ما خرج إلى الناس من إبداعات الأمير الراحل ما لحنه وشدا به موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب «ولئن طال صبري» وكثيرون هم شعراؤنا الذين وضعوا لبنات بناء ثقافي عظيم في بلادنا.
بدر بن عبدالمحسن
ولد بدر بن عبدالمحسن وفي كفه جمار ملتهبة من الشعر والأحاسيس والفلسفة وكم كبير من سوريالية الصورة الشعرية، مولده كان في الرياض وتحديدا في حي «الغوطة» عام 1369 / 1949 كما يقول هو عن الحدث . . حدث قدومه. عاش البدر طفولته المبكرة في الرياض ثم انتقل إلى جدة.
سافر إلى مصر عام 1378هـ/ 1958م مع أخيه الأمير سعود بن عبد المحسن أمير منطقة حائل اليوم لإتمام دراستهما، وعادا من مصر بعد أربع سنوات والتحق بدر بمدارس الثغر النموذجية في جدة ودرس بها المرحلة المتوسطة وفترة من المرحلة الثانوية. سافر إلى الولايات المتحدة بغرض الدراسة وأمضى فترة هناك انتقل بعدها إلى بريطانيا حيث درس «الرسم» وألوان الفنون التشكيلية وفي هذه التجربة المشتركة بين الصورة الشعرية واللون والفرشاة اشترك معه فيها الأمير الشاعر خالد الفيصل «دايم السيف» الذي يمتلك إلى جانب لقبه سيد البيد والقصيد موهبة فذة في الرسم والتشكيل بشكل عام.. «أقام معرضين تشكيليين» وهنا يتضح أن الإبداع الكلي لدى جبران خليل جبران العربي المهجري الأشهر في العالم الذي بلغت موهبته المزدوجة بين الشعر واللون مبلغ اللغة العالمية التي رسمت اسمه في خلود الإبداع بها لمدة ثلاث سنوات.
الأمير بدر بن عبد المحسن شاعر متميز صدر له أول ديوان بعنوان «ماينقش العصفور في ثمرة العذق» وذلك في العام 1989م بعد أن طولب كثيرا من محبيه وجهات ثقافية عدة بإصدار ديوان لإبداعاته، ولكن لسوء الحظ انه لم يكد يطرح الديوان حتى رزئت المنطقة بحرب وقلاقل غيرت شكل المنطقة ولعبت بجغرافيتها المخططات الدولية عندما غزا صدام حسين الكويت.
ولكننا نستطيع القول إن الأمر لم يكن سوء حظ بقدر ما هو عكس ذلك لكي تثبت روعة موهبة البدر أن النجاح كائن كائن في تلك الخطوة رغم الظرف الاستثنائي السيئ للمنطقة والذي عطل الكثير من الأنشطة الاقتصادية والثقافية وحتى الاجتماعية والسياسية فكان رغم كل هذه الأسباب نجاح ما ينقش العصفور في ثمرة العذق نجاحا غير عادي على الإطلاق وتجربة للامتحان امتحان الإبداع في مثل هكذا ظروف ثم أصدر البدر ديوان «رسالة من بدوي».
وهو شاعر غنائي غنى له أشهر مطربي الجزيرة العربية وله أكثر من مئتي قصيدة مغناة من أشهرها: «اعطي المحبة»، «الرسائل»، «زمان الصمت»، «صوتك يناديني»، «ابعتذر»، «قصة ضفايرها»، الموعد الثاني، يا صاحبي، كما كتب العديد من الأغاني الوطنية وأشهرها أغنية: «فوق هام السحب».
وللأمير بدر بن عبد المحسن أنشطة كبيرة من أجل رعاية وتطوير الشعر والفنون في المملكة خاصة الأغاني الشعبية نمت إلى أن استحالت مشروعا ثقافيا ضخما يحتاج إلى ميزانيات كبيرة لتحقيقه لما تتطلبه مراحل الأبحاث في هذا الصدد لا نعلم أين وصل.
غنى له العديد من المطربين وشكل انعطافة جديدة في مسار الأغنية من خلال تعاونه مع الفنان محمد عبده والفنان طلال مداح ـ رحمه الله ـ وذلك في الستينات من القرن الماضي، أقيمت أول أمسية شعرية له خارج المملكة في جامعة الكويت عام 1987م، بالإضافة إلى الشعر فإنه نفذ العديد من اللوحات رسما ولقيت إعجابا كبيرا خاصة وانها تميل كشعره غالبا إلى الجانب الرمزي، مولع بالقنص والصيد والصحراء، وعلى دراية واسعة بالصقور النادرة، كتب «أوبريت مهرجان الجنادرية» في العام الماضي بمناسبة الاحتفال بمئوية المملكة، طرح فكرة «دار الشعر» التي أمر خادم الحرمين الشريفين عندما كان ولي للعهد بتأسيسها، صدر له من الدواوين: ما ينقش العصفور, رسالة من بدوي, لوحة.. ربما قصيدة, كما سيصد«وهج, أقل الكلام دمعا».
التقى البدر مع كثير من شخصيات الإبداع العربي من شعراء وكتاب وفنانين وعند ولادة المشروع الثقافي الكبير في المملكة «الجمعية العربية السعودية للثقافة والفنون» في العام 1394/1974 استطاع مثقفون وفنانون ومبدعون منهم الأمير بدر بن عبد المحسن وسراج عمر ومحمد الشعلان وإبراهيم خفاجي وناصر بن جريد ومحمد طلعت والموسيقار العميد طارق عبد الحكيم الحصول على تصريح لقيام هذا الكيان من جلالة الملك فيصل بن عبد العزيز ـ رحمه الله ـ قبل رحيله بعام واحد فقط.
وكان يومها هذا المشروع الثقافي بدأ بمسمى «جمعية الفنون السعودية» وتم اختيار بدر بن عبد المحسن مديرا لهذه الجمعية تبعه في هذا المنصب شاعرنا الكبير إبراهيم خفاجي ثم توالى عليه كثيرون كان أبرزهم أستاذنا الكبير محمد الشدي الذي اشتعلت الجمعية في عهده فنا.. لاسيما فرعا الرياض وجدة معتمدا على أسماء بيرة من الفنانين منهم عبد الحليم رضوي وبعد أن تطورت الفكرة اصبح هذا المسمى ممثلنا في ثقافتنا الخارجية وأصبح بيتا للمثقفين والفنانين السعوديين تحت عنوان «الجمعية العربية السعودية للثقافة والفنون» وهو مسماها الحالي.
وخصائص البدر
وعندما نتحدث عن بدر بن عبدالمحسن فإننا نتحدث عن قبيلة مكتملة من الشعراء منهم البدوي قارض النبطي الشعبي الصرف الذي يخاطب المتلقي ببدويته المغرقة، كذلك هو ذلك المميز الذي لا يجاريه شاعر وهو يصور الشعر النبطي والشعبي بأساليب حديثة صانعا صورا جديدة لا تكاد تجدها عند أمهر الشعراء في الشعر الحديث فمثلا عندنا تلك الصورة الفنية الإبداعية من حنجرة طلال رحمه الله وهو يصيغ أفكاره الشعرية صياغة تكاد تكون خاصة بحنجرة طلال:

قصت ضفايرها ودريت . .
البارحة جاني خبر . .
أدري لبست خاتم عقيق
وتقرا لها كتاب عتيق . .
كتاب وأظنه شعر»

إذ علينا هنا أن نرجع للمفردة المكونة للصورة الشعرية الشعبية المرتبطة بالحداثة . . لأننا لو وقفنا أمام مطلع هذا النص لرأينا أن مفرداته النمطية العادية في دنيا الأدب الشعبي لو كانت في فكر أي من الشعراء غير البدر لقدمها عادية بعجز يسبق الصدر، «البارحة جاني خبر..»