ما معنى «سكن» ؟ من أهم المعاني التي تشير إليها هذه الكلمة هي: الاستقرار ، والبقاء، والمكث. وهي تدل على كل معنى يخلو من الحركة والتنقل والتشرد والضياع. ويشتق منها: المسكن، والسكنى، والسكينة، والمسكين، ناهيك عن السكين الذي يجزُّ الرقاب فيقضي على الحياة والحركة !
وفي القاموس المحيط فإن للسكن ( بالتحريك ) معنى النار . والنار حركة بذاتها، ولكنها توقِفُ الحركة بفعلِها.
وعند الخليل: السكون ذهاب الحركة، والسكن يكون أحيانا: سكون البيت من غير مِلْك. إما بكراء أو غيره. بالإيجار يعني!
إن أزمة المساكن هي حديث المجالس اليومية والتي تشكل هاجسا مقلقا لدى كل من يريد أن «يستقر» و «يطمئن» ويكفّ عن التنقل من شقة إلى شقة بالكراء ( بالإيجار ) ؛ ولا تنسَ أيها القارئ أن الإيجار «حركة» وليس «سكنا» و استقرارا.
وهاجس الناس ،اليوم، يتمثل في التخلص من الإيجار ( الحركة والتشرد والتوهان بين مكاتب العقار ) ويرمي إلى السكن والبقاء في مكان واحد.
في المعنى الأخير الذي ذكره الخليل بن أحمد للسكن ( وهو سكون البيت من غير مِلك ) تتجسد مشكلة نسبة عالية جدا من المواطنين الذين «يتنقلون» بين مكاتب العقار ، بحثا عن سكن. وربما هو المعنى الوحيد لمفردة سكن الذي ينطوي على حركة.
يقول الفيلسوف الألماني هيدجر: التفكير ينتمي إلى السكن. ويؤيد كلامه هذا ما قرره الباحثون والدارسون في التاريخ والحضارة من أن البشرية لم تتطور وتتحضر وتخترع وتبدع وتفكر إلا بعد الاستقرار وترك حياة التنقل والتشرد بحثا عن الطعام والإيواء لفترة وجيزة في أحد الكهوف الملحية التي تنهار سريعا بسقوط المطر على ساكنيها.
ويخبرنا التاريخ القريب؛ تاريخ بلادنا، أن من أولى وأهم إنجازات الملك عبد العزيز هو «توطين» البادية، أي «تسكين» المتنقلين والرحل . إن ذاكرة البدوي زمانية وليست مكانية، وكل ما يتذكره من الأمكنة لايتجاوز المعاني التالية: الأطلال، الدِّمن، الرسوم الدارسة ...إلخ، وكلها معان تنطوي على الخراب؛ خراب الدار والسكن بعد غياب ساكنيها. وبالتالي خراب المكان!. فبقاء الناس في المكان يحافظ عليه ويحميه من الخراب. وبما أن الحضارة تنشأ في المكان؛ على ضفاف الأنهار ، وفي الواحات، فإن البدوي لايصنع حضارة لأنه لم يصبح بدويا إلا لغياب المكان والسكن. يذكر ابن خلدون أن البدو حينما دخلوا إلى بلاد المغرب هدموا البيوت واستعملوا حجارتها «أثافيَ لقدورهم» ، والأثافي هي الحجارة التي يضعها البدوي حول النار لكي يستقر عليها القِدْر ( آنية الطبخ ).
إن البدوي ( المتحرك ) عدو للمكان وللسكن، ومن ثمّ كان لسياسة توطين البادية في المملكة هدف بنائي. فالبلد لكي يتطور ويتحضر لابد من أن يقضي على مصادر الخراب والدمار ، والحل الأمثل كان السكن والبقاء والتفكير. ( بالمناسبة لهيدجر ـ الذي ذكرناه قبل قليل ـ محاضرة بعنوان: البناء والسكن والتفكير ) وفيها يقرر أن البناء ليس مجرد تشييد المساكن، أو أنه ليس مجرد وسيلة للسكن، بل هو كيفية للسكن، إنه السكن ذاته. ما معنى هذا الكلام ؟ إنه إدانة للتعامل مع الأشياء بالعقلية الاستهلاكية، وليس الاستعمالية !. فالذي يستعمل الشيءَ يحافظ عليه، أما الذي يستهلكه فهو يرميه ويتخلص منه بسرعة لكي يستهلك شيئا آخر جديدا وهكذا. إنها إشارة إلى عودة مفهوم الرحيل والتشرد وامتهان الأشياء والمكان كما كان يحدث قبل نشوء الحضارة البشرية في العصر الزراعي. ومن هنا فإن طغيان ثقافة الاستهلاك يعني عدم الاستقرار والحفاظ على الأشياء.
إن وضع حدود وتصورات حادة بين الاستقرار ( السكن ) والإيجار ( اللاسكن ) هو إضاءة للفرق الجوهري بين التحضر والتخلف، بين الحضارة والبداوة، بين البناء والهدم. نعم، فرغم أننا نعيش في عصر الصناعة وتقنية الاتصالات والثورة المعلوماتية إلا أن روح البدوي لاتزال حاضرة بيننا.
ما العمل إذن ؟ ما الحل لتفادي أزمة السكن، وأسميها أزمة لأن عدد ملاك المنازل في المملكة قليل جدا، ولأن امتلاك منزل صار هاجسا لكل مواطن يريد أن يكوِّن أسرة ويستقر ويعمل بجد وعطاء.
الحل ليس عندي، فهذه مسؤولية شاملة تبدأ من الدولة وتنتهي عند العقاريين. فمادام العقاريون لايزالون يتعاملون مع مفهوم السكن والبناء بالمنطق الاستهلاكي فقط فإن الأزمة ستظل قائمة، وسيظلون يستهدفون الطبقات الغنية ( وهي القلة ) ويعرضون عن الكثرة، عن الأغلبية الساحقة التي لاتزال تبحث عن الاستقرار والبقاء والطمأنينة. فليس هناك تفسير لارتفاع أسعار الأراضي والمنازل بهذه الصورة المريعة إلا بما ذكرنا، وهو سيادة المنطق الاستهلاكي وحده. وأنّى لموظف بسيط في الدولة أو في القطاع الخاص أن يشتري منزلا بأكثر من مليون أو ثلاثة ؟!
إن النظر في هذه المسألة يجب أن يكون من أولويات الدولة التي لايجب الانتهاء من بحثها والنقاش فيها ومراجعتها حتى تنتهي الأزمة، فالمسكن، كالأكل والشرب والأمن، من الضروريات التي لابد من توفرها لإيجاد حياة كريمة خالية من الأكدار والمنغصات. ما أريد قوله هو أنه من الخطأ ( وربما المضحِك ) أن نتخطى النقاش في مسألة السكن ونتجاوزها إلى قضايا ثانوية وربما تافهة؛ كما حصل مؤخرا في مجلس الشورى وقضية الزي الوطني!!
فهل يعني تخطيهم وتجاوزهم لمسألة السكن أنهم وجدوا لها الحلول ؟.. إن الواقع يجيب عن هذا السؤال وعليه. فلا يجب التوقف عن تصديع رؤوسنا بهذه المشكلة حتى نجد لها حلا جديا وجذريا ونستقر في بيوتنا بعد رحلة طويلة وشاقة من التشرد والضياع.


للتواصل أرسل رسالة نصية sms إلى 88548 الاتصالات أو 636250 موبايلي أو 737701 زين تبدأ بالرمز 118 مسافة ثم الرسالة