-A +A
فؤاد مصطفى عزب
وهكذا كانت ٢٠٢٠م صعبة وكئيبة ومرة وموجعة حد البكاء، وهكذا ستظل في الذاكرة، سنة للفقد وللخذلان والانتكاسات، تركت ندوباً في الجسد والروح، ورحلت مثلما جاءت، بليدة وقاسية، سيظل ما تركته من علامات سوداء في السيرة الذاتية من حياتي، وسيظل ما أورثته فيّ من حزن غيوماً رمادية تظلل ما بقي من العمر، فاجأني هذا العام برحيل أكثر من صديق هنا وفي أمريكا، رحلوا وتركوا لي الندم، كنت أعيش بين الحرج في زيارتهم، والطافح من الإحراج أن أكسر قوانين المستشفيات، (وأنا الذي كتب معظمها) أو السفر لمعاودة من هم بالخارج، وأنا الشاعر بالعجز الكبير حيث كاحلي مطوق بسلاسل الحظر من السفر، غادروا وتأكدت بأن لقاءنا الذي كان يزخر بالفرح والدهشة والظمأ العنيد للحوار لن يحدث أبداً، أصدقاء كانوا يلوحون مطراً عندما يشتد العطش، ودرباً أخضر حينما تسد كل الدروب، وعمود نور عند انكسار الضوء، لا زال عطر أيادي بعضهم طازجاً على مقابض أبواب بيتي، كنت أقبض عليهم كخيال طفل يمسك بقروش قليلة تضوي مثل نجوم سماء كفه، كنت أحكم قبضتي على هذا النور، غير أنهم تسللوا كشعاع من بين أصابعي، خطفتهم (الكورونا) اللعينة في غفلة مني، بعضهم كان خبزي، والحد الفاصل للضجيج في عظامي، كل شيء منهم أصبح مدفونا تحت الأرض، ما أجمل أن يكون للإنسان أصدقاء حقيقيون، إنهم لذة الحياة، غير أن فقدهم هو غاية الشعور باليتم، ما زال في العام متسعٌ للحزن، ومازال٢٠٢٠م جاثماً على الصدر، بكل ما فيه من قسوة ومفاجأة، ولا أدري إن كان في الصفحات المتبقية من الروزنامة مفاجآت حزينة أخرى، غير أنني أعد الأيام كي أفارق هذا العام أو يفارقني بلا وداع، وقد أقسمت أن أكسر عشرين جرة من الفخار في آخر دقيقة منه، وأقسمت أيضاً أن أمضي نحو شمس عام جديد تشرق على داري، وتملأ روحي بالنور، أشرع الأبواب والنوافذ، أخرج لاستقبال الصباح الجديد، أبحث عن العصافير وأنصت إلى زقزقتها مع شق الفجر، أتأملها تنقر فتات الخبز، مثلما اعتادت أن تفعل في زمان مضى، أبارك الشارع العريض أمامي حيث الوجهة البحرية يحتفل بعودة الناس والعربات والمهرولين والحالمين، أنهض ورأسي شامخاً ونظراتي تسبقني إلى الأمام، وفي شموخي لا أبالي بمن يرفس دماغي بحافر تشاؤمه.. سأنهض من بين أكوام الرماد، طيراً جديداً، يرسم السعادة بجناحيه في تحليقه اليومي، فالجائحة التي أيبست بعضاً من عشبنا الأخضر، وداست أرواحا، لم تبلغ غايتها، كل الانهيارات لم تقتل حبة الحنطة، المقيمة في مكان سري من باطن هذا الوطن حيث زرعها المؤسس رحمة الله عليه، فكل انهيار رفعه عنا ابنه خادم الحرمين الشريفين (الملك سلمان بن عبدالعزيز) وحفيده ولي العهد (الأمير محمد بن سلمان) وهم يتابعون مسيرتهم النورانية، لأنهم يؤمنون بالغد، وبالإنسان، وتحقيق أهداف الرؤية العظيم، هبوب العاصفة لم يقتلعنا من المكان، فالأسوار كانت أعلى منها القامات، والعاصفة بكل ما لها من جبروت وقوة ظلت عاجزة عن إبادة أشجار النخيل السامقة، سأخرج كل يوم مع شروق الشمس إلى مقهى الشاطئ، أجلس على مقاعده الزرقاء، أرتشف القهوة المطيبة بحب الهال، أصغي إلى عراك النورس فوق سنديان البحر، وأستقبل ما تبقي من أصدقاء العمر.. أشاطرهم السلام والكلام، ثم ننهض لنواجه يوماً آخر من أيام العمر..!!

كاتب سعودي


Fouad5azab@gmail.com