فهد الشيخ ـ جدة
انتقد المهندس الدكتور محمد تاج الدين الحاج حسين استشاري الخصائص الفيزيائية والكيميائية لأنواع الإسمنت من بريطانيا والمستشار غير المتفرغ بهيئة الخرسانة الجاهزة بأمانة جدة ومستشار سابق غير متفرغ لوكيل الأمين للتعمير والمشاريع انتقد هذه المرة نوعية الحديد المستخدم في المدن الصناعية الساحلية الضخمة الجاري انشاؤها وأشار إلى ان استخدام الحديد الحالي يضر بالخرسانة ويسارع في تآكلها وقال: استعمال الحديد المغطى بمادة الأبوكسي في الخرسانة المسلحة المعرضة لبيئات ساحلية حارة ورطبة خطأ كبير فلقد تم ايقاف استعمال هذا النوع من حديد التسليح المغطى بالأبوكسي في دبي واستراليا وكثير من الولايات الساحلية نتيجة بحوث مخبرية وعملية قامت بها مختبرات المواد التابعة للجامعات ومراكز الأبحاث بالوزارات الحكومية. نظرا لظهور حالات تآكل موضعي خطير في بعض الجسور وخاصة جسور ولاية فلوريدا وفرجينيا وغيرها ولضعف قوة الربط وقصر عمره الافتراضي، وهو أيضا توجه بريطانيا فقد تم اقفال احد المصانع المنتجة عام 1996م، علما بأن تآكل حديد تسليح الخرسانة المسلحة يعد سببا رئيسيا لتدهور المنشآت الخرسانية، فحسب أحدث دراسة صادرة من ادارة النقل الفيدرالية الأمريكية بالتعاون مع منظمة مهندسي التآكل العالمية بأن التكلفة الكلية للتآكل بجميع انواعه سواء حديد وغيره في أمريكا تتراوح من 260 – 400 مليار دولار سنويا وهي ما تمثل اكثر من 3% من الناتج القومي، وهذه النسبة مشابهة لدراسة اخرى لتكلفة التآكل السنوي في بريطانيا، ولكن للأسف تنقص الشفافية في معرفة مدى التكلفة الكلية في التآكل الحاصل في المملكة العربية السعودية ودول الخليج.
واضاف المهندس تاج الدين: ورغم ذلك يصر الاستشاريون في المملكة، بناء على المواصفات القديمة على إلزام المقاولين في معظم المشاريع الحكومية الكبيرة في المدن الساحلية والحارة على استخدام الحديد المحلي والمغطى بمادة الأبوكسي مما يرهق ميزانية الحكومة السعودية من عدة نواحٍ: اولها ان سعر الحديد المغطى بالابوكسي يزيد عن سعر الحديد العادي (الغالي أصلا في هذه الأيام) بنسبة 30%، وهذا مخالف لتعميم داعم للهيئة السعودية للمهندسين والجمعية السعودية للهندسة المدنية -والداعي إلى الاهتمام بنشر ثقافة الهندسة القيمية في جميع المشاريع الخاصة والحكومية وتتلخص في توفير 5% كحد أدنى للمشاريع دون المساس بجودة الخرسانة أو ديمومة المباني-، ثانيها أن عمر الحديد الابوكسي الافتراضي 5 سنوات فقط طبقا لكثير من الأبحاث في مدينة دبي وقارة أستراليا ومعظم الولايات الساحلية بأمريكا الشمالية، وهذا أيضا مخالف للتعليمات ببناء منشآت ذات عمر افتراضي لأكثر من 50 سنة، وثالث الاسباب أن استخدام الحديد المغطى بمادة الابوكسي يكلف الحكومة السعودية مبالغ باهظة في الصيانة مسقبلاً حيث يبلغ سعر إصلاح التآكل بالحماية الكاثودية الأمريكية عن طريق الأنود المضحي 1200 ريال للمتر المربع مع ضمان الإصلاح لمدة عشر سنوات فقط حيث يجب تغيير الأنود بعد تلك المدة، ورابعها فلقد كشفت الدراسات الحديثة قلة ترابط الحديد المغطى بمادة الابوكسي حيث تبلغ قوة الربط 83% وهي أقل من النسبة المعترف بها عالميا من (ASTM) التي تشترط 85% كحد أدنى، وآخر الاسباب خطورة استخدام الحديد المغطى بمادة الابوكسي والمستعمل حالياً في معظم المشاريع الكبيرة في المدن الساحلية بالمملكة، حيث ثبت في عدة رسائل دكتوراه وعشرات الأبحاث والتقارير الفنية والعملية خطورة الاعتماد عليه كحماية دائمة لحديد التسليح، حيث ان الفراغات والتشققات في الغطاء الابوكسي قبل أو بعد تركيبه يؤدي إلى اختراق أملاح الكلور بسرعة إلى حديد التسليح وتآكله بشكل خطير موضعياً بعد مدة قليلة 4-5 سنوات، علما بأن البدائل لهذا النوع من الحديد كثيرة ولكن لا يسع المقام لذكرها.
غياب الأبحاث المحلية
واضاف المهندس تاج الدين: لقد اكد البروفسور ألبرتو ساغوس المتميز عالميا في أبحاث التآكل في جامعة جنوب فلوريدا فشل الحديد الابوكسي وكيف كان له فضل السبق عالمياً في 1996م حيث كشف مساوئه من قلة ترابطه وتآكله الموضعي بسرعة خلال 5 سنوات فقط في جسر فلوريدا كييز الواقعة في اقصى جنوب ولاية فلوريدا، وللأسف لم نسمع عن أي أبحاث من جامعات المملكة على خطورة استخدام هذا النوع من حديد الابوكسي بالمملكة، الا أنه مؤخرا ابلغني البروفسور عمر العمودي وكيل عمادة التعليم المستمر ومدير مركز أبحاث المواد بجامعة الملك فهد ومستشار غير متفرغ بهيئة الخرسانة بأمانة جدة عن بدء العمل مع زملائه الخبراء والباحثين في مجال التآكل على دراسة مخبرية مكثفة لأحدث أنواع الحديد المغطى بمادة معدنية (الزنك) ومقارنته مع الحديد المغطى بالابوكسي من ناحية قوة الربط وصموده أمام بيئتنا الشديدة الملوحة (السبخة السعودية) ذات النسبة العالية جدا من أملاح الكلور وكبريتات المغنسيوم الخطيرة وكبريتات الصوديوم، وسوف تكون مدة البحث ستة أشهر مكثفة وبعدها تعلن النتائج وترسل إلى الهيئة الملكية بالجبيل وينبع وشركة أرامكو لتطبيق نتائج البحث وتحديث المواصفات القديمة التي كانت تصر على استخدام حديد الابوكسي بدون ذكر أنواع الحديد الأخرى.
وتابع المهندس الدكتور محمد تاج الدين انتقاده اللاذع هذه المرة على مراكز مختبرات الوزارات ووصفها بأنها دون المأمول فقال: قمت مؤخرا بزيارة لمختبر بلدية دبي، فتجولت في أقسامه الكثيرة والتقيت بالخبراء العاملين بالمركز والمؤهلين تأهيلا رفيعا من الحاصلين على الدكتوراه والماجستير في التربة ومواد الخرسانة والهندسة الكيميائية وغيرها من التخصصات الهندسية، واطلعت على أجهزة المختبرات والتي بلغت مئات الملايين وتدر أرباحا عالية لبلدية دبي، ووجدت أنه لا يتم دخول الإسمنت والحديد والبلك وخلافه حتى يجتاز جميع الاختبارات العالمية في هذا المختبر، وكل تلك الاختبارات موجودة بأسمائها وأسعارها وتاريخ النتائج في الموقع الإلكتروني الخاص بمختبر بلدية دبي المركزي.
وتساءل تاج الدين قائلا: أين دور مراكز الأبحاث في وزارتنا من التقدم الكبير والتقنية العالية ومستوى الجودة والأداء الرفيع الذي وصلت له أبحاث مختبر بلدية دبي المركزي وغيرها من مراكز الأبحاث العالمية في كل مدينة، وأين مراكز الأبحاث التابعة لإدارة النقل بمنطقة مكة المكرمة أو أمانة جدة؟ بل وكيف يسمح بدخول أنواع الحديد المستورد للمملكة دون فحص قوة الشد وغيرها من الاختبارات، وكيف يسمح برمل وحصى محلي أو مستورد دون فحص كيميائي وفيزيائي لهذه المواد.
واستطرد فقال: لإيجاد جزء من الحل في تطوير مراكز المختبرات الحكومية يقول البروفسور عمر سعيد العمودي الباحث والاستشاري في جامعة الملك فهد للبترول والمعادن: حسب علمي ان مراكز المختبرات الحكومية لدى وزارة التجارة والبلديات ليست لديها تلك الاجهزة المتطورة، ومن وجهة نظري للسعي في التطوير السريع لتلك المراكز يمكن الاستفادة من معامل ومختبرات الجامعات السعودية اذ لديها العديد من المختبرات المتطورة وتلك الامكانيات المتقدمة والخبراء المتخصصون.
المباني الخضراء توفر الطاقة
ودعا الاستشاري الدكتور محمد تاج الدين في نهاية حديثه لاتباع التقنيات الحديثة في البناء أو ما يسمى ببناء المباني الخضراء وهو توجه عالمي حديث، ومن فوائد تلك المباني أنها تساعد على توفير الطاقة وتزيد من العزل الحراري للمبنى وتحافظ على المياه وتقلل من استهلاك المياه، كما تساعد في اختيار مواد صديقة للبيئة باستعمال مواد بناء قديمة بنسبة معينة لتقليل تدمير البيئة بفضلات مواد البناء، ومن عناصرها اختيار مواد بناء من مصادر لا تبعد عن مكان البناء أكثر من 500 كم وذلك لتقليل صرف الوقود وتلوث الجو من الشاحنات (CARBON FOOTPRINT) والهدف النهائي في أعلى الهرم تحقيق ديمومة للمباني ليكون العمر الافتراضي أكثر من 100 سنة، بمعنى أنها توفر الطاقة والمياه كما تعطي بيئة نقية وراحة نفسية وشعور بالرضا للسكان، وهو توجه يتمشى مع رغبة خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز بإعلانه عن جائزة للجودة وأخرى للمحافظة على البيئة والتنمية المستدامة.
ومن جانبه أنكر الدكتور حامد الغامدي رئيس هيئة الخرسانة في أمانة جدة استخدام الحديد المغطى بمادة الابوكسي في المناطق الساحلية لعدة نواحٍ منها ان تماسك هذا النوع من الحديد مع الخرسانة ضعيف، فالأفضل منه استخدام الحديد العادي فهو يعطي تماسكا مع الخرسانة بنسبة 100% وفق شروط خاصة، بالاضافة الى تكلفته الغالية مقارنة بالحديد العادي.
وعن مستوى مختبرات الأمانة قال الغامدي نتطلع في المستقبل القريب للوصول لمختبرات عالمية كالمختبرات التي في الولايات المتحدة الامريكيـة ومدينة دبي.