فهد الشيخ ـ جدة
أكد مختصون أن أغلب الإسمنت المتوفر في أسواقنا المحلية يؤدي لإحداث تشققات وتصدعات في خرسانة المباني بعد أقل من خمس سنوات من إنشائها لأنه يقاوم الكبريتات دون أدنى مقاومة لأملاح الكلور التي تبلغ في تربة المدن الساحلية السعودية أكثر من 10 أضعاف أملاح الكبريتات. كشف المهندس الدكتور محمد تاج الدين الحاج حسين استشاري الخصائص الفيزيائية والكيميائية لأنواع الاسمنت من بريطانيا والمستشار غير المتفرغ بهيئة الخرسانة الجاهزة بأمانة جدة ومستشار سابق غير متفرغ لوكيل الأمين للتعمير والمشاريع بأنه تم مؤخرًا اخطار أربعة عشر مصنعا مخالفا للخرسانة بالاغلاق الفوري. حذر المهندس تاج الدين في الوقت نفسه من خطورة استخدام أغلب الإسمنت المتوفر حاليا بالأسواق السعودية، حيث يؤدي خلال مدة لا تتجاوز الخمس سنوات الى تشققات وتصدعات واضحة في خرسانة المباني المنشأة وذلك بسبب استخدام نوع خاطئ من الإسمنت والذي يقاوم الكبريتات وصنع خصيصا لملاءمة البيئة في دول أوروبا وليس لبيئة المدن الساحلية السعودية ودول الخليج العربي والتي تصنف عالميا بأنها من البيئات شديدة الخطورة على المنشآت الخرسانية المسلحة، فالأفضل والأسلم استخدام الإسمنت المقاوم لاملاح الكلور وليس المقاوم للكبريتات، بسبب احتواء ارضية المدن الساحلية على نسب عالية من الكلور مقارنة بالكبريتات، فلقد ساعد الاستخدام الحالي والخاطئ لنوع الإسمنت في سرعة صدأ الحديد الموجود داخل الأعمدة الخرسانية في أغلب المباني الحكومية والخاصة بالمملكة، ولقد قمت مؤخرا بجولة على المنشآت السكنية الخاصة وأسوار المستشفيات والمباني الحكومية بالمنطقة الغربية والمنطقة الشرقية وحصلت على عينات عديدة للتآكل في الخرسانة بتلك المباني ولاحظت التدهور الكبير في المنشآت الخرسانية، بالاضافة الى تآكل حديد التسليح في معظمها.
أملاح الكلور 10 أضعاف الكبريتات
وأضاف المهندس تاج الدين: بناء على ما أخذته من عينات من التربة بمختلف احياء مدينة جدة وجدت أن أملاح الكلور تصل في بعض الأحياء إلى أكثر من 10 أضعاف أملاح الكبريتات، بل ان الأمر لا يختص فقط بمدينة جدة بل هو في أغلب مدن المملكة الساحلية ودول الخليج عامة، أي أن نسبة الكلور مرتفعة مقارنة بنسبة الكبريتات، مما يستوجب وجوب تغيير نوعية الإسمنت الحالي بالمملكة من المقاوم للكبريتات الى المقاوم للكلور حسب طبيعة نوعية التربة، وهذا ما استطعت الخروج به مؤخرا، وقد لقيت هذه الاقتراحات دعم وكيل امين مدينة جدة للتعمير والمشاريع المهندس إبراهيم كتبخانة (مدير الهيئة الملكية بينبع سابقا) والمهندس حسني كلكتاوي مستشار وكيل الأمين للتعمير والمشاريع للكباري والطرق، وقد طلب الوكيل من رئيس هيئة الخرسانة بالتعميم على مدير المشاريع بأمانة جدة لتعميمها على المقاولين المرتبطين بمشاريع الأمانة بوقف استعمال إسمنت مقاوم للكبريتات واستخدام نوع الإسمنت المناسب حسب التحليل الكيميائي لنوع وكمية الأملاح الموجودة في التربة، فيجب على الأمانة المتابعة المستمرة في التأكد من استخدام المقاولين للإسمنت المناسب، خاصة مع المشاريع التي تشهدها مدينة جدة هذه الأيام، ولكن الذي أطمح لتحقيقه هو تعميم التجربة على مستوى المملكة، فحاليا نحاول رفع خطاب لصاحب السمو الملكي الأمير متعب بن عبدالعزيز وزير الشؤون البلدية والقروية ليتم تعميم التجربة على جميع مناطق المملكة، خاصة مع المشاريع الضخمة التي تشهدها مملكتنا الحبيبة من انشاء لمدن اقتصادية وجامعية خصوصا في المناطق الساحلية للمملكة، لنتجنب في المستقبل الخسائر الطائلة من جراء عمليات الترميم للمباني والمشاريع المنشأة.
والمح الاستشاري الدكتور تاج الدين الى تطابق بعض نتائج بحثه للدكتوراه مع تقرير فني أعده منذ عدة سنوات خبراء بريطانيون من جمعية الخرسانة البريطانية وبدعم من جمعية المهندسين البحرينية وهما تيد وووكر ويناقش التقرير تقييم مباني الخليج وسبب التدهور المتسارع للخرسانة العادية والمسلحة، وبعد جولتهما المكثفة على المباني في مدن الخليج العربي والمنطقة الشرقية بالمملكة، خلصا في نهاية البحث إلى أن منشآتنا تتدهور وتنهار بسرعة كبيرة وفي ثلث المدة مقارنة بالدول المتقدمة في أبحاث الخرسانة مثل دول اوروبا وأمريكا الشمالية، وذكر التقرير أسبابا منها الاستخدام الخاطئ لنوعية الإسمنت بالمملكة وخصوصا في تربة السبخة الملحية وتربة المدن الساحلية، حيث ذكرا أن إسمنت مقاوم للكبريتات لا يقاوم أملاح الكبريتات العالية بالمملكة والخليج فضلا عن مقاومته لهجوم عدواني من نسبة عالية أملاح الكلور والكبريتات، وهو ما اكده الخبير الروسي فورشوف عام 95م بعد استدعائه من روسيا بصفة عاجلة للبحث عن أسباب انهيار مبنى في الخليج العربي بعد أشهر من إنشائه، وبعد تحليله لنسبة الأملاح العالية في التربة والخرسانة، ذكر بأن مما زاد في سرعة تآكل حديد التسليح استعمال إسمنت مقاوم للكبريتات في الأجزاء الأرضية والمدفونة، كما أن خبير الخرسانة الشهير الأمريكي (ADAM NEVILLE) مؤلف كتاب خواص الخرسانة الذي طبع مرات كثيرة في العالم أشار مقال له في مجلة هندسية بريطانية في عام 1998م إلى خطأ استعمال إسمنت مقاوم للكبريتات في بيئات الخليج العربي والشرق الأوسط، وكذلك نبه البروفسور الشهير رشيد ظفر -رحمه الله- من جامعة الملك فهد للبترول والمعادن وذلك في عام 1992م من خطورة وخطأ استخدام الإسمنت المقاوم للكبريتات في مدن المملكة والخليج العربي، بالاضافة الى انه تحذيرات المواصفات الإيرلندية والبريطانية والأوروبية في مواصفاتها (ENV-1:2000) من استعمال إسمنت مقاوم للكبريتات في البيئات البحرية التي تحتوي على أملاح الكلور.
المواصفات الأمريكية الأقرب
وألمح تاج الدين الى انه من الخطأ كتابة تلك العبارة الموجودة في معظم تقارير المختبرات والوزارات الحكومية والمكاتب الاستشارية التي توصي باستخدام الاسمنت المقاوم للكبريتات في القواعد والرقاب الخرسانية والأسوار والطرق والجسور، واحيانا يكتب خطأ العبارة التالية (إسمنت كذا المقاوم للأملاح) مع انه مقاوم للكبريتات فقط وليس للأملاح، ولم ار تلك العبارة تستعمل في الخارج، فللأسف الإسمنت المقاوم للكبريتات يلائم مواصفات دول اوروبا ولا يلائم مواصفات المملكة فإن اردنا انتاج مواصفات فالاقرب هي المواصفات الأمريكية لأن جو أمريكا وخصوصا مدن كلفورنيا وتكساس مقارب لبيئتنا وجونا والإسمنت المستخدم عند الامريكان هو المقاوم للكلور وليس للكبريتات، وللاسف الشديد ان اغلب انتاج مصانع المملكة من الإسمنت المقاوم للكبريتات فتصل الى 70% من انتاجها السنوي، اما في الولايات المتحدة الأمريكية فلا يتجاوز انتاجها لهذا النوع من الاسمنت الخمسة من ألف لخطورته رغم قرب بيئتها من بيئة المملكة.
4000 فوهة بركانية
وقال: انني أدعو من واقع تخصصي وابحاثي ورسالات الدكتوراه العديدة التي قدمتها في بريطانيا الى استعمال الإسمنت الافضل والارخص والمتوفر خامته بكثرة في مملكتنا الغالية وهو الإسمنت البورتلاندي البوزلاني وهو يحتوي على 20% بودرة براكين و80% اسمنت، فهو يساعد على مقاومة الكلور والكبريتات والكثير من الاحماض الضارة، ولهذا الاسمنت العديد من الفوائد منها استهلاكه للقليل من الماء عند رش الخرسانة وسهولته في التلييس، كما يقلل من استهلاك الطاقة الكهربائية في اداء المصانع المنتجة لنوع الاسمنت البوزلاني مما يريح اجهزة المصنع كثيرا، حيث ان الإسمنت المقاوم للكبريتات يحتاج لدرجات حرارة عالية جدا لإنتاجه، بالاضافة لانخفاض تكلفته المادية مقارنة بالإسمنت المقاوم للكبريتات، علما بأن المملكة بها قرابة 4000 فوهة بركانية مما يوفر على المصانع في التكلفة بسبب الخيرات التي في بلادنا، وهذا ما قاله الخبير الكندي الجيولوجي السيد ميان والذي يعمل كخبير في الهيئة الجيولوجية السعودية قال: لديكم ثروة اغلى من الذهب والبترول وهي مادة البوزلان الناتجة من البراكين، ويتمنى أن يتم شحن كميات كبيرة منه إلى شرق كندا وشرق أمريكا حيث ينعدم وجودها هناك.
11 ألف طن سنويا
وبين المهندس تاج الدين أن بالمملكة حاليا مصنعين لإنتاج الإسمنت البوزلاني بطاقة انتاجيه تصل إلى 11000 طن سنويا وهو يعادل انتاج أمريكا ودبي ولكن لا تتم الاستفادة منه في المشاريع الضخمة الحالية، بل يستخدم الإسمنت المقاوم للكبريتات وهو استخدام خاطئ كما اشرنا سابقا، ومع اهمية الاسمنت البوزلاني قررت الحكومة الأمريكية ان يتم بناء المفاعلات النووية والسدود بالإسمنت البوزلاني فهو يساعد على التخفيف من آثار الزلازل في حال حدوثها على المباني لقوة تماسكه، وهو ما شجع به صاحب السمو الملكي الامير تركي بن ناصر الرئيس العام لمصلحة الارصاد وحماية البيئة حيث قال: نريد اضافات طبيعية من بيئتنا الطبيعية.
واستطرد قائلا: نشيد بالخطوة الرائدة والسابقة التي خطتها وزارة المواصلات في عام 1422هـ، حيث ألزمت مقاوليها بوجوب تجنب الإسمنت المقاوم للكبريتات (تحتفظ عكاظ بصورة من التعميم) في المناطق التي تكون معرضة للرطوبة في حال الاجزاء الخرسانية المعرضة لصدأ حديد التسليح، فالاسمنت المقاوم للكبريتات كما ينص التعميم مزود بمواد تساعد على سرعة الصدأ في حديد التسليح، كما نشيد بالطريقة الصحيحية لإنشاء كبري الخليج، بين البحرين وشرق المملكة الذي أنشأه الملك فهد -رحمه الله- حيث مضى على إنشائه اكثر من 27 عاما وهو بحال رائعة لا يوجد فيه أي تآكل مع خطورة البيئة الملحية المحيطة بالجسر وقد تم استخدام الإسمنت البوزلاني الصناعي المستورد من الخارج من بقايا خبث الحديد، كما أثنى على القرار الحكيم للأمير سلمان بن عبدالعزيز ببناء منطقة قصر الحكم في حي المربع عام 1996م بالبوزلانا الصناعية المستوردة من بريطانيا، ونشر ذلك الخبر باهتمام كبير في مجلات الخرسانة البريطانية حيث اعتبر نقلة نوعية نحو التطور في أسلوب البناء بالمملكة وحرص المسؤولين على الأخذ بأحدث وأفضل أنواع الإسمنت لمقاومته للأجواء الحارة وهجوم الأملاح والأحماض.
ونبه المهندس تاج الدين للخطأ العلمي من مقولة ان وضع العديد من اكياس الاسمنت (اكثر من الحاجة) يقوي الخرسانة فهذا خطأ، فالصحيح هو قياس قوة الخرسانة بالاستخدام الامثل لنوع الإسمنت وليس كثرة وضع اكياس الإسمنت، كما ان أغلب المقاولين يرغبون عن الإسمنت البوزلاني بالاسمنت الحالي المقاوم للكبريتات بسبب الاستعجال، فالاسمنت البوزلاني يحتاج لعشرة ايام ثم يتم فكه، وبعد ذلك ومع مرور الوقت يعطي صلابة، اما الاسمنت الحالي فيحتاج الى يومين ومن ثم يفك، مما يترتب عليه تشققات بسبب الاستخدام الخاطئ لنوع الإسمنت.
وعن جو مدينة جدة الحار والمدن الساحلية الحارة بالمملكة، اوصي تاج الدين باستخدام البلوك البركاني في البناء بدلا من البلوك الاسمنتي او البلوك الطيني الاحمر، حيث يتفوق عليهما بمقاومته للاملاح، ولا يلزم هذا النوع من البلوك أي ترطيب او بلل بعد البناء لأنه قد حفظ في غرف بخار خاصة، بمعنى انه يساعد على توفير المياه، كما يمتاز بخفة وزنه فيصل الى 50% من وزن البلك الإسمنتي، بالاضافة لعدم احتوائه على الرمل او الحصى الذي يتسبب احيانا في تدهور الخرسانة، كما ان استخدام البلاط البركاني المقاوم للاملاح في المباني مع البلوك البركاني يساعدان معا في العزل الكبير للحرارة والصوت وتوفيره للكهرباء بنسبة تصل لاكثر من 60% من الاستهلاك السابق، طبقا لأبحاث كثيرة منها بحث شركة كهرباء المنطقة الغربية والتي تحبذ البلوك البركاني.
واختتم قائلا: آمل من الدكتور حبيب زين العابدين وكيل وزير الشؤون البلدية والقروية تكوين لجنة من خبراء الخرسانة والتربة لتغيير مواصفات نوع الإسمنت في مشاريع البلديات والأمانات بالمملكة والاستفادة من البوزلانا المحلية الموجودة بكثرة، خاصة مع المشاريع الضخمة التي تشهدها مملكتنا الحبيبة من انشاء لمدن اقتصادية وجامعية خاصة في المناطق الساحلية للمملكة، لنتجنب في المستقبل الخسائر الطائلة من جراء عمليات الترميم للمباني والمشاريع.
ومن جانبه طالب الدكتور حامد الغامدي رئيس هيئة الخرسانة في امانة جدة المقاولين العاملين بسرعة تجنب استخدام الاسمنت رقم (5) والمقاوم للكبريتات في جدة والمدن الساحلية لأنه يقلل من العمر الافتراضي للخرسانة، خاصة اذا علمنا ان جميع المدن الساحلية بالمملكة تربتها بها نسبة كلور اكثر من الكبريتات، مما يعني ضرورة استخدام الاسمنت المقاوم للكلور.
تصحيح وضع مصانع مخالفة
وفي سؤال عن مدى التزام مصانع الخرسانة الجاهزة بالمواصفات الصحيحة، اكد انه بناء على جولات مفاجئة على مصانع الخرسانة الجاهزة العاملة فلقد تم انذار اربعة عشر مصنعا بوجوب الاغلاق الفوري لمخالفاتها الواضحة، كما اننا قمنا بابلاغ مصانع أخرى باهمية تصحيح وضعها خلال ثلاثة اشهر فقط، وللاسف وجدنا اثناء جولتنا مصنعا واحدا فقط نموذجي وعلى أعلى مستوى.