جولة: عبدالجبار أبو غربية
يقع المعبد الجنوبي في ضاحية الخبثا وهي من أهم الضواحي المحيطة بالبترا حيث بدأ الاستيطان البشري بها منذ القرنين السابع والثامن ق.م كما توجد قرية أدومية على قمتها, ونظراً لطبيعة المنطقة الصخرية فقد أنشئت العديد من الطرق كبنية تحتية هامة والتي أشرفت الدولة النبطية على تنفيذها لأنها تمثل حلقة الوصل بين معالم المدينة لذلك نفذ الأنباط لمنطقة الخبثا ثلاثة طرق "أدراج" وهي طريق ضريح الجرة – الخبثا وطريق مدخل السيق - حنية النسر – الخبثا . أما الطريق الثالث الرئيسي الذي تم ترميمه فهو طريق ضريح فلورنتينوس – الخبثا وتختلف عرض الطريق من منطقة لأخرى ليتراوح عرضها من 2-4 أمتار وهي منحوتة بالصخر تستغرق الرحلة عبر هذا الطريق حوالى نصف ساعة وعلى طول هذه الطريق يمكن مشاهدة التقنية النبطية الهندسية القديمة في النحت وحفر الصخور من خلال عمل مسارات مريحة خصصت عليها محطات للاستراحة ونحتت على طولها أنصاب الآلهة ومشارب المياه وتزين هذا الطريق بوابة كبيرة يوجد بجانبها آثار للوحة شرف كان من المعتقد أنها تحتوي كتابة تذكر سنة تنفيذ هذا المشروع وتمجد أعمال الملك في تلك الفترة كما ان مواصفات هذه الطريق تسمح بمرور الدواب والحيوانات بسهولة في تلك الفترة كونها وسائل النقل والركوب المعروفة آنذاك.
ويمكن من على قمتها مشاهدة معظم معالم المدينة كالمدرج والمذبح والخزنة وقصر البنت والشارع التجاري المبلط والمنطقة السكنية والحبيس وقمة جبل هارون, كذلك تم تنفيذ العديد من المنشآت المائية في عهد الأنباط على منطقة الخبثا للاستفادة منها في غايات الشرب والزراعة ، بالإضافة لإيصالها للمدينة بواسطة نظام متكامل من الأقنية ، وتجمع في خزانات كبيرة لاستعمالها في فصول الجفاف, كما يمكن الاطلاع على العديد من ملامح التقنية المائية التي نفذها الأنباط هناك من سدود وخزانات ومصاطب زراعية ومضافات دينية بالإضافة إلى المذبح الذي يقع على قمتها ، كما شق الأنباط طريقا آخر يطل على بعض المعالم، هذا ويوجد على الجهة الغربية لهذه الضاحية عدة واجهات.
ضريح الجرة "المحكمة"
انتقلنا إلى " ضريح الجرة – المحكمة " وقد جاء الاسم من الجرة الصماء التي تعلو هذه الواجهة وهي قبر ملكي نفذ ليكون ضريحاً للملك مالك الثاني الذي يعتقد بأن بقايا التمثال الموجود في الحنية الوسطى من الواجهة إنما هو لهذا الملك, وهذه الواجهة حولت إلى كنيسة في الفترة البيزنطية حوالى سنة 446م على يد الراهب ياسون وابنه جيسون وبذلك تكون هذه أول كنيسة في البترا وكان الراهب السرياني بارساوما أسقف قبرص أول راهب يدخل البترا علما بأن المؤرخ إبيفانوس Epiphanius أشار إلى أن الأنباط كانوا حتى بداية القرن الخامس يتعبدون للآلهة الوثنية كما يذكر بأن تحول الأنباط من الوثنية إلى المسيحية تم بصعوبة وذلك كونهم كانوا يعتقدون بأن كبير آلهتهم وهو ذو الشرى قد ولد من عذراء ومن هنا كانوا يساوون بين هذا المعتقد وولادة السيد المسيح عليه السلام ومن ثم انتشرت المسيحية في البترا ووجد كرسي أسقفية لإدارة رعايا المسيحية، حيث تمت زيادة مساحة الساحة الأمامية وذلك ببناء مجموعة من الأقبية والأقواس وكذلك لتسهيل عملية الوصول إلى هذه الكنيسة وتم تحويل الطريق المؤدي لهذه الكنيسة ليكون من اسفل الجبل بعد أن كانت عملية الوصول إليه تتم من أعلى, ومخطط هذه الكنيسة بازليكي حيث تم تغيير شكل نحت غرف الدفن الداخلية لتكون بشكل حنى كما يوجد في وسط الحنية الوسطى شكل صليب غير واضح المعالم كما وتوجد كتابة بالخط الأحمر الضارب إلى البني و بالأحرف اليونانية تحمل اسم الأسقف الذي عين لإدارة الرعية المسيحية في البتراء وهو الراهب جيسون الذي اشرف على هذه الكنيسة و هناك نصوص تاريخية تذكر أنه كان يرحل إلى البترا بعض أتباع المسيحية كعقاب لهم من الكنيسة.
ضريح الحرير / الضريح الكورنثي وهو غني بعناصره المعمارية الكلاسيكية والنبطية الخالصة ويعد نموذجاً مصغراً للخزنة وان كان اقل تناسقاً منها.
ضريح القصر
توجهنا نحو " ضريح القصر " وهو فريد كون الجزءين السفليين منحوتان في الصخر بينما الجزء العلوي مبني من الحجارة المصقولة وذلك لعدم اكتمال المقطع الصخري الذي نفذت عليه هذه الواجهة ويؤرخ إلى القرن الأول ق.م – بداية القرن الأول الميلادي وسمي بهذا الاسم لتشابه زخارفه الكثيرة بمثيلاتها في القصور الرومانية, ويعتقد بأن الساحة الموجودة أمام هذا الضريح كان يتجمع بها كبار ضيوف الدولة.
قبر الأسد
ونتوجه في رحلتنا نحو الطريق المؤدي إلى " الدير " الذي هو عبارة عن هيكل ضخم, بلغت عرض واجهته 47 متراً تقريبا وارتفاعها 40 مترا, وقد حفرت واجهته في صخر رمادي أصفر, وفيه غرفة صغيرة حفرت في الصخر سكنها النساك وعلى واجهتيه رسم لأسدين نقشا عليها وأطلق على الدير لقب " قبر الأسد ", و " مضافة الأسد " وله واجهة من النوع المعروف بالتركلينيوم كما يمكن مشاهدة ما يعرف بـ " قطار الدير " ويقع إلى الجهة الشمالية الشرقية بطريق فرعي من الطريق الرئيس المؤدي للدير.
والدير يعود بناؤه إلى النصف الأول من القرن الأول قبل الميلاد, ويتكون من طابقين وتبرز بوضوح التيجان والأعمدة النبطية "سادة غير ملونة" وهي تعود لأواخر القرن الأول الميلادي ربما إلى فترة الملك " مالك الثاني " وهي اكبر حجماً من الخزنة حيث تصل عرضها إلى 50 مترا أما ارتفاعها فيصل كذلك إلى 50 مترا وتم إزاحة ما يقارب من مليون متر مكعب من الصخور والرمال للحصول على هذه الواجهة, وأهم ما يميزها من ناحية الزخارف المعمارية عن واجهة الخزنة أيضا أنها تحتوي على زخرفة الميتوب والترجليف, أما في الطابق السفلي فلا يوجد غرف جنائزية, ويعتقد بعض علماء الآثار بأنها معبد وذلك اعتماداً على كتابة نبطية عثر عليها في الناحية الشمالية الشرقية المواجهة للجرة التي تعلو الواجهة تتحدث عن ما يمكن تسميته بجمعية عبادة الدينية, وربما تشير إلى الملك النبطي " عبادة الثاني " الذي تم تأليهه والذي توفي في النقب وتم دفنه في المدينة التي سميت باسمه فيما بعد.
انتقلنا إلى " المذبح " وأول ما يمكن رؤيته في هذه المنطقة مسلتان مقطوعتان في الصخر ويعتقد بأنهما يرمزان لأهم آلهة الأنباط ذو الشرى ورفيقته الدائمة العزى كما يشاهد في منطقة الدرج الصاعد للمذبح بقايا جدران وبرج يعتقد بأن أساساته أدومية أعيد استخدامه في الفترة النبطية ثم استخدم في فترة الصليبيين ليكون صلة وصل وربط ما بين قلعتي الوعيرة والحبيس أما المذبح نفسه فأصوله أدومية وبعد الاحتفالات التي كانت تتم في المدرج كانت المواكب الدينية تصعد إلى المذبح من المنطقة المجاورة للمدرج مروراً بوادي المحافر حتى تصل للمذبح حيث تقدم القرابين التي كانت حيوانية, والمذبح يتكون من ساحة مركزية محاطة بمقاعد من ثلاث جهات وفي الجهة الغربية يوجد مذبحان واحد مستطيل الشكل ربما استخدم لعملية الطواف والآخر دائري الشكل يعتقد أنه كان يستخدم لوضع دماء القرابين.
وادي فرسا
أنهينا جولتنا في " وادي فرسا " وهو يقع في الجهة الغربية من " المذبح " ومن أهم ما يمكن مشاهدته في الطريق المؤدي لهذا الوادي " نافورة الأسد " المحفورة في الصخر وربما لها دلالة دينية لاسيما أن هناك مذبحا صغيرا يواجه هذه النافورة، كما توجد بقايا لقنوات مياه محفورة بالصخر تؤدي لخزانات مياه بعض أجزائها مبنية وأخرى منحوتة منه خزان ضخم بعمق 5أمتار تقريباً وأبعاده 28 × 6 من الامتار.. جزؤه الداخلي مقصور بمونة كلسية عازلة للماء ويعتقد أن مياه عين براق كانت تجمع في هذا الخزان ليتسنى إعادة استخدامها فيما بعد, ويشتمل وادي فرسا على مجموعة من المعالم أهمها, " معبد البستان " ويتميز بوجود جدار ضخم بجواره يقوم عليه الجزء الجنوبي للشرفة العلوية وبقايا غرف يبدو أن إحداها كانت معقودة يتخلل جدرانها إحدى عشرة حنية.
وضريح الجندي الروماني , وقاعة الاحتفالات الجنائزية التي يعتقد بوجود ساحة مركزية بين هذين المعلمين أما القاعة الجنائزية فهي عبارة عن تركلينيوم تميزت عن غيرها بوجود دعامات منحوتة وملتصقة بالجدران وحنية مستطيلة طولية الشكل خلف المقاعد مباشرةً أما ضريح الجندي الروماني فربما تم نحته بعد 106 م أو أعيد استخدامه بعد 106م وذلك لوجود ثلاثة تماثيل ذات رداء عسكري روماني موضوعة في حنايا هذه الواجهة.
وكذلك " قبر رينيسانس " وواجهته دقيقة الصنع مزينة بمجموعة من التيجان النبطية وستة جرار صماء.