جولة: محمد علي الحربي 4
الموقع الأثري المكتشف في منطقة "شصر" في الصحراء العمانية لا يختلف كثيراً عن غيره من عشرات المواقع الأثرية الأخرى المكتشفة في جميع أنحاء السلطنة التي تشكل في معظمها امتداداً واحداً لحضارات متعاقبة على مر آلاف السنوات فيما يسمى "أرض اللبان" وهذه المواقع كانت تمثل محطات مرور القوافل لتجارة اللبان التي اشتهرت بها هذه المنطقة من شبه الجزيرة العربية. مما يشير إلى ان الموقع لا تنطبق مواصفاته على "ارم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد" الواردة في النص القرآني. وكل ما في الأمر لا يعدو كونه تخمين أو اعتقاد من "نيكولاس محلاب" بأنه عثر على المدينة المفقودة في الصحراء، التي طالما بحث عنها المستكشفون دون ان يعثروا عليها، وتعاقب فشلهم في ايجادها عليهم واحداً تلو الآخر. وما تبقى من آثار في موقع "شصر" لا يكفي لإعطاء الدليل الأثري المطلوب لإثبات غير ذلك.
فما تبقى لا يتجاوز مجموعة من الجدران المتهدمة التي تدل على أهمية تاريخية كبيرة للموقع المكتشف كموقع أثري يتمتع بمميزات ومقومات خاصة، وان كانت بعيدة كل البعد عن احتمالية ان تكون هي مدينة "إرم" التي بناها شداد بن عاد، وثار حولها جدل كبير جداً بين علماء الآثار والمستكشفين وغيرهم..
شعوب الخرافة
المهندس محمد عامر العوايد - مهندس تقنية الاتصال بوزارة الاعلام العمانية يقول: نحن العرب مهووسون بالخرافة والاسطورة، ويميل العوام في الغالب الى تصديقها والايمان بها وترويجها والدعاية لها ولايهم ان كانت حقيقة ام لا، وما هذا الانتشار الكبير لصور مزعومة لـ "ارم" على الانترنت ونسبتها كذبا الى موقع "شصر" الا اكبر دليل على ذلك.
تضليل غريب
سعيد تبوك -مرشد سياحي - يتفق مع ماذهب اليه العوايد ويضيف: لقد ضحكت عندما حدثتني في البداية عن هذه الصور لانها ضللت الكثير من الباحثين والمهتمين بمثل هذا الاكتشاف الهام، ولا اعتقد اساسا ان كل ما في موقع "شصر" بصرف النظر عن صور الانترنت يمكن ان يكون له أي صلة بـ "ارم" ذات العماد التي اخبرنا القرآن عنها بأنها لم يخلق مثلها في البلاد.
فالآثار الموجودة في موقع "شصر" كما ترونها تشبه الى حد كبير معظم الاثار المكتشفة في محافظة ظفار العمانية في "البليد" او "سمهرم" او غيرها من المواقع الاخرى وان كان هذا لاينفي الاهمية الاثرية للموقع كمكان له تاريخه وشخوصه واحداثه المدغلة في القدم لآلاف السنين الماضية.
العمانيون لايعترفون بها
عبدالله الحبشي - مراقب جوي بمطار صلالة - من جهته يؤيد ما ذهب اليه العوايد وتبوك ويضيف هذه اول زيارة لي للموقع وان كان قد اثار اهتمامي كثيرا من خلال ما سمعته عنه وما طالعته في الانترنت وان كنا نحن العمانيين لانذكره على انه "ارم" ذات العماد لاعلى المستوى الرسمي ولا على مستوى الانسان العماني العادي خاصة في الوقت الحاضر وان كان مثل هذا الكلام قد تردد بقوة في بدايات اكتشاف الموقع وما تناقلته وسائل الاعلام المحلية والعالمية في حينه ولكن مازلت أصر على انه لايمكن ان يكون "ارم" التي ذكرت في القرآن الكريم.
الشطرنج الحجري
يوسف بديوي - باحث ومؤرخ - يقول: يقع موقع شصر "وبار" في نيابة الشصر في الطرف الجنوبي من صحراء الربع الخالي ويبعد عن مدينة صلالة بحوالى 170 كيلومترا ناحية الشمال كما يبعد 90 كيلومترا من ولاية ثمريت ويضيف: المصادر الاسلامية تذكر شصر "وبار" على انها موقع بشمال محافظة ظفار تقع على طريق تجارة اللبان القديم وبأنها اسم للارض التي يمتلكها قوم عاد وبأن التجارة تقوم عبر مناطق الربع الخالي مرورا بوبار وان طريقا قائما بين محافظة ظفار وبغداد لنقل تجارة اللبان والبخور عبر الربع الخالي.
ويضيف بديوي مع اكتشاف الموقع بدأ برنامج للتنقيب في الموقع للتحقق من هويته وملامحه المعمارية والمواد الاثرية فيه وتبين معالم القلعة المكتشفة انها استخدمت في فترة العصر الحديدي "325 ق.م - 650م" واستعملت ابراجها للسكن بعدما اضيفت لها جدران داخلية على شكل حجيرات كدعائم وتم تحديد العصور التاريخية للمبنى من واقع الادوات والاواني الفخارية والزجاج واواني البخور وتتراوح تواريخها من القرن الاول من الميلاد وحتى الفترات الاسلامية المبكرة والمتوسطة.
ويستطرد قائلا كما تشير بعض الشواهد بأن الموقع كان مأهولا منذ العصر الحجري "خمسة الاف سنة قبل الميلاد" وظل يستخدم في العصر الحجري الحديث وحتى القرن الثاني قبل الميلاد ومن خلال تحليل العمر التاريخي بوساطة معادلة "كربون 14" اثبت ان الموقع كان معاصرا للعصرين الاغريقي والروماني، وحتى القرن الخامس الميلادي وكانت اخر فترة تاريخية وجدت تعود الى القرن الثالث عشر وحتى السادس عشر الميلادي كما عثر على الواح واعمدة خشبية وسهام حديدية يرجح تاريخها الى القرن العاشر الميلادي من الفترة الاسلامية وعثر على الكثير من المكتشفات الاثرية التي تعود الى فترات مختلفة من العصر الاسلامي اهمها اجزاء من لعبة الشطرنج تتكون من ست قطع من الحجر الرملي.
تقدير العمر
د. محمد علي البلوشي -رئيس قسم الآثار بكلية الآداب والعلوم الاجتماعية بجامعة السلطان قابوس- يقول: أود أن أذكر بأنني لم أكن ضمن الفريق العلمي الذي درس موقع "شصر"، وكل ما قرأته عن هذا الموقع من كتابات كتبت عن الأعمال الميدانية البحثية، أعتقد أن طرق التاريخ بالكربون، وهي من بين الطرق التي أعطت هذا البعد الزمني، أو التقدير الزمني لهذا الموقع.
وإذا ما تحدثنا عن تاريخ الموقع، فبالتأكيد ان العلماء اعتمدوا على أكثر من طريقة.
- الطريقة الأولى: هي طريقة التاريخ النسبي، بمقارنة ومضاهاة الدليل الأثري الموجود في هذا الموقع مع مواقع أخرى مشابهة لهذا الموقع، واعطاءه فترة زمنية متقاربة أو مشابهة لها.
- الطريقة الثانية: هي استخدام التاريخ المطلق، وهو يرتبط بفكرة التقنيات العلمية المستخدمة عادة في علم الآثار، وربما يكون أبرزها هو طريقة التاريخ بالكربون، التي عندما استخدمت في موقع "شصر" أعطت هذا العمر (3 آلاف سنة قبل الميلاد)، كما هو الحال مع المواقع الأثرية الأخرى في عمان وفي السعودية، وفي الأماكن الأخرى من العالم.
أما بالنسبة لعدم وجود هذا النوع من التحاليل الكيميائية فأنا لا أستطيع ان أتحدث باسم وزارة التراث القومي الآن على الأقل، وما أستطيع قوله أنني أحد الذين يتمنون دائماً وجود نوع من البحث الممنهج في كل دول الخليج العربي، وجميعها تمتلك إرثاً حضارياً كبيراً جداً.
تجميع اللبان
أما الباحث والمؤرخ سليمان بن علي بن سالم العبري فيتحدث عن الموقع قائلا: الشصر بناية تتبع ولاية تمريت، وتقع في منطقة النجد على الجانب الجنوبي لصحراء الربع الخالي، ذكرها المؤرخ العماني العوتبي في كتابه الأنساب: "إنها من منازل بني سام، وكانت أخصب بلاد العرب لأن نوحاً قسم الأرض في حياته لأولاده الثلاثة سام وحام ويافث، فكان أولاد سام ينزلون هذه البلاد".
ويضيف: بدأ ازدهار منطقة "شصر" في العصر الإغريقي والروماني حتى القرن الخامس الميلادي، وكانت تمثل المنطقة الرئيسة لتجارة ظفار البرية مع الحضارات القديمة، ومنطقة هامة لتجميع اللبان في العصور القديمة، وقد هجرت المنطقة تقريبا في أوائل القرن السادس عشر الميلادي، وفي هذا العهد الزاهر اهتمت الحكومة الرشيدة بالتراث العماني وأصدر جلالة السلطان قابوس عام 1993م أوامره بتشكيل لجنة وطنية للإشراف على مسح الآثار في سلطنة عمان، وكان موقع "أوبار" الأثرية في مقدمة تلك المسوحات، وقد نتج عن ذلك المسح بعض الاكتشافات وهي: وجود ثلاثة أنواع من الفخار، ثم أعقب ذلك اكتشافات جزئية لمبنى قديم حتى تكامل المبنى، حيث اكتشفت المدينة المجهولة، وتعكف السلطنة على دراسة تفصيلية لهذه المدينة العريقة، واكتشاف فأس وأدوات فخارية عمرها حوالي أربعة آلاف سنة، ومبخرة من الحجر، وإبرة تستخدم كمشبك للملابس، وقنديل مصنوع من الحجر الرملي يعود إلى العصر الروماني، وعدة أجزاء من حطام لعبة الشطرنج تعود إلى ألف وخمسمائة عام مصنوعة من الطين الرملي، وهو أول اكتشاف من نوعه في الجزيرة العربية، وقطعتان من النقود النحاسية تم صكهما في الكوفة تعودان إلى العهد الإسلامي، وملعقة صغيرة مصنوعة من سن الفيل، وأساور قديمة جداً ممزوجة بالزجاج.