مع بزوغ الثورة المعلوماتية في أواخر القرن العشرين المنصرم وتفجر الدولة الكوكبية المفترضة وشيوع التجارة الرقمية المتعددة الجنسيات في العالم الاجتماعي «القديم- الجديد» بدأت تتشكل ظواهر اجتماعية جديدة من قبيل العولمة وصراع الحضارات والاستنساخ والهندسة الوراثية وتعززت مقولة الحوار ونهاية التاريخ والهامشية والإقصاء وأزمة الفراغ من جانب والتنمية الشاملة وثقافة السلم والحرب وتحرر المرأة ودولة الرفاه فضلاً عن نزعة الإنسانية من جانب آخر ولاسيما أيضاً إشكالية الخيال العلمي باعتبارها ظواهر عالمية أذهلت سكان المعمورة جراء تفاقم ثقافة الاستهلاك لقطاعات عريضة من الناس وتقزم حركة المنتجين إلى أقليات والمهتم اليوم بدراسة هذه الظواهر الاجتماعية المعاصرة يدرك من أول وهلة حجم انهيار الخصوصيات المحلية والأنا بقدر تزايد حجم الانفتاح على العموميات والآخر إن لم نقل اغتيال جوهر المحاولة الدؤوبة في تغيير خريطة العالم بفسح المجال أمام صعود وهبوط مستوى القيم المجتمعية والعادات والتقاليد الموروثة عن الآباء والأجداد تلك المتأصلة منذ القدم لصالح عادات وقيم وأخلاق جديدة مكتسبة بدت وكأنها غريبة وبعيدة وشاذة عن أصولها وفضائها الاجتماعي المنتمية إليه باعتبار أنها باتت تدق أبوابها أذهان الأفراد والمجتمعات لتحاربهم في عقر دارهم ومن ثم ليقع التساؤل عن مخرجات هذه الظواهر الاجتماعية من الناحيتين الإيجابية والسلبية وتأثيرها عليهم.
لقد استخلص ابن خلدون العبرة الكبرى أن العلم يمثل أكبر استثمار للعقل البشري لبلوغ درجة الكوكبية في زمن أجداده وأن التخلي عن هذا الاستثمار سبب «كارثة» سقوط العرب والمسلمين صرعى أمام الأمم والممالك والدول المطالبة بإعلان ورثة التركة العلمية ومواردها البشرية.
فنظرية ابن خلدون حول دوران الأمم والدول تبرهن لنا اليوم على مبدأ الدور الطبيعي في تشكل الأمة والمملكة والدولة المعاصرة وأن هذا المبدأ يتمثل بوجود حالة من الاضطراب تعقبها حالة من الفوضى الشديدة بين القمة المسببة للاضطراب والقمة المسببة للفوضى.
إن السقوط الحضاري طبيعي وما إن نزل منزله على أمة إلا وحل فيها الوهن والضعف والعجز والكسل والاتكالية والغلب وتجاوزتها الأجيال والأمم الغالبة وفي ذلك سنة حياة الأولين والاخرين وبما أننا لا نستطيع أن نفهم أو نتنبأ بما سيحدث في المستقبل المجهول لدينا التي هي سنة الآخرين والعادة المتكررة فسنعتمد في هذه الظاهرة الاجتماعية على بعض المؤشرات التكوينية للسقوط الحضاري كالعلم ومشروعيته المعرفية والعصبية الثورية والدينية كمقولات معرفية متولدة بفعل التجربة الإنسانية والانعطافات التاريخية فالعالم كان له النصيب الأكبر في إعادة تشكيل مفهوم العولمة كما أن العصبية ساهمت في تغيير حركة التاريخ والأمزجة البشرية وأسباب تقدمها وانحرافاتها أما بخصوص الديانة فهي غاية تتجه إلى بناء الإنسان الكوكبي فإرادة التوحد ومن ثم القوى الحاملة للهدف الأسمى وهو إرساء الشريعة الإلهية.
من هنا تتجلى أهمية المعرفة وتأكيدها على التواصل المعرفي والتضافر بين مختلف الفاعلين العلماء من أجل منع إشكالية السقوط في براثن الجهل المعرفي، ومبدأ التفكير بمستقبل التفكير العلمي الأحادي الجانب الذي من شأنه أن يتعرض بفعل الإهمال والتعصب المضطرب في الآراء إلى خلق أجيال متساهلين ومتواكلين لا يعنيهم من وجودهم العالمي سوى النزعة الشخصية والأنانية المفرطة التي تنكر على النفس البشرية القيم المثلى للحياة الكوكبية والمعرفة والتعليم الغني بالثقافة السلوكية وليس ثقافة الرفاهية فحسب والتي من شأنها (النزعة الشخصية) أن تكون هدفاً سهلاً للشطط الأخلاقي والفساد الاجتماعي وميالة إلى الضغط على الآخرين بالقوة المشروطة والابتزاز الذي يعصف بالبشر للتحول إلى هتك الأعراض والمتاجرة وإلقاء اللائمة على لعنة الحرية المفرطة ومظاهرها دون أخذ اللباب منها والتمعن في جوهرها الذي هو مبدأ الحياة وقانونها المكتسب بالسليقة وغير ذلك هو استبعاد للنفس البشرية والعودة إلى قمة السخرة والعبودية الجديدة بإرادة منتسبيها ذاتهم أي بالعودة إلى مجاهل التاريخ الأول.