جولة: سعيد الزهراني - تصوير: يحيى الفيفي
يمتد تاريخ عسير إلى حضارات سبأ ومدين والأزديين، وتنتشر فيها الأماكن الأثرية التي يعود تاريخها إلى حضارات ما قبل الإسلام، وخاصة تلك التي ظهرت في الحجاز واليمن. وعند الحديث عن آثار عسير يبرز اسم مدينة جرش التي تقع في وسط محافظة أحد رفيدة، وهي مدينة تعود إلى تاريخ ما قبل الإسلام، وكان ولا يزال يمر بها طريق الحجاج القادمين من اليمن، وذاع صيت جرش منذ القدم وحتى زمن البعثة النبوية بصفتها مركزا تجاريا مهمًا، كما أن أهلها أسلموا في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، وفيها آثار ونقوش تعود إلى فترة ما قبل الإسلام والفترات الإسلامية المتعاقبة، واشتهرت بصناعاتها الجلدية والحربية؛ فعرفت بصناعة المنجنيق والعرادات التي تعرف بالدبابات في الوقت الحاضر، كما تضم بقايا الطراز المعماري الذي تركه اليشكريون ممثلا في الأحجار الزهرية الضخمة التي كانت تستعمل في البناء. ونظرا لما كانت تحظى به جرش من مكانة اعتبرت قديما القلب النابض لإقليم عسير فكانت مركزه الرئيس وبها يعرف وإليها ينتسب فيقال ( مخلاف جرش ) ويقصد بالمخلاف الناحية أو الإقليم، وقد أورد ابن منظور كلمة مخلاف على أنها ناحية من نواحي الأرض، أو منطقة من المناطق، وقد يكون المخلاف صغيراً أو كبيراً حســب عــدد المدن أو القرى أو العشائر والقبائل التي تسكنه، ويعني منطقة معينة تشتمل على عدة مدن وقرى لها مميزات وخصائص اشتهرت بها.
ويورد الدكتور: غيثان بن علي الجريس ( أستاذ التاريخ بجامعة الملك خالد بأبها والباحث المعروف في التاريخ الجنوبي وآثاره ) عددا من الآراء حول سبب التسمية جرش.. ويقول ورد ذكر جرش في بعض المصادر التاريخية الأولى، على أن تبع أسعد أبا كرب، خرج غازياً من اليمن غزوته الأولى، وعندما وصــل إلـى بلاد جرش بأرض السراة، رأى موضعاً قليل الأهل كثير الخيرات، فخلف فيه نفـراً من قومــه، فقالوا : ـ بم نعيش ؟ فقال : اجترشـوا من هذه الأرض، وأثيروها، واعمروها فسميت جرش. ويشير إلى أن ياقوت الحموي أورد هذه القصة إلا أنه لم يتفق قوله مع الرواية السالفة الذكر على أن تبعا أسعد ترك بعض قومه عندما رأى كثرة الرخاء وقلــة السكـان، وإنما بعض من قومه تحيروا وضعفوا عن اللحاق بالجيش، فقال لهم : اجرشوا هاهنا، أي البثوا، فسميت جرش بذلك.. وتذكر بعض المصادر التاريخية كالبكري أنها سميت بجرش بن أسلم، لأنه أول من سكنها، ويتفق ياقوت الحموي مع البكري، نقلاً عن أبي المنذر هشام، فيذكر أن جرش بن أسلم هو منبه بن أسلم بن زيد بن الغوث بن سعد بن عوف بن عدي بن مالك بن زيد بن سهل بن عمرو بن قيس بن معاوية بن جشـم بـن عبد شمس بن وائل بن الغوث بن أيمن بن الهميسع بن حمير بن سبأ، وهو أول من سكن جرش فسميت باسمه.
ويعضد هذا القول بعض علماء النسب، كابن حزم الأندلسي، والوزير المغربي اللذين يؤكدان أن جرش أحد أبناء أسلم بن زيد الحميري. ويضيف الدكتور الجريس : كما أورد ياقوت الحموي رأياً آخر نقلاً عن أبي المنذر هشام بن الكلبي قوله : « جرش قبائل من أفناء الناس تجرشوا، وكان الذي جرشهم رجل من حمير يُقال له زيد بن أسلم، خرج بثور له، عليه حمل شعير في يوم شديد الحر فشرد الثور، فطلبه فاشتد تعبه فحلف لئن ظفر به ليذبحنه ثم يجرش الشعير وليدعون على لحمه، فأدركه بذات القصص عند قلعة جراش، وكل من أجابه وأكل معه يومئذ كان جرشيا، وهو ما يشير إلى أن ياقوت لم يذهب بعيداً عن الرأي الذي قاله البكري، نقلاً عن كتب النسب المبكرة، ولكن في هذه الرواية لم يرد ذكر جرش، وإنما ورد باسم زيد بن أسلم، بينما ورد في الرواية السابقة باسم منبه بن أسلم، وبهذا لا يكون ثمة فرق بيِّن بينهما لأنه من المحتمل أن زيدا وأسلم هما اسم لشخص واحد، ثم بعد تمكنه من القبض على ثــوره ووعدهم بجرش الشعـير على لحم الثور، صار يطلق عليه اسم جـرش، ثـم نسبـت البـلاد الـتي حصـل بهـا جرش الشعير وأكل لحم الثور إلى اسم جرش. ومما يؤكد هذا الرأي، أن معاجم اللغة تؤكد على كلمة (الجرش) التي تشير إلى جرش الشيء، بدقّه فلا ينعم الدق، وبالتالي يسمى جريشاً، ويقال : جرش الملح والحب جرشاً، أي لم ينعم طحنه ودقّه، وبهذا القول نرى أن زيداً أو منبه بن أسلم، جرش الشعير على لحم ثوره في منطقة جرش، ولهذا السبب سميت المنطقة بهذا الاسم، وربما كانت هذه الرواية أقرب إلى الصحة من رواية تبع أسعد، عن أولئك الذين تخلفوا عن مسايرة الجيش، فقال لهم : اجرشوا هنا، أي البثوا، حيث لم نجد عند اللغويين من قال إن الجرش هو المقام أو المكوث في مكان فيه ماء، ولكنهم قالوا : إن الجرش هو الصوت، ويسمى الملح والحب بـ (الجرش ) لأنّه حكّ بعضه ببعض فصوّت حتى سحق، غير أنه لا يكون ناعما.
موقع المخلاف
أما عن موقع مخلاف جرش، فهناك العديد من المصادر الإسلامية المبكرة التي أشارت إلى موقـع المخلاف، غير أنهـا لم تكن تتوخى الدقة في رسم هذا الإقليم، فبعض الجغرافيين المسلمين الأوائل كانوا يذكرون جرش عند ذكرهم للمحطات التجارية الواقعة على الطريق الموصل ما بين صنعاء ومكة المكرمة عبر الأجزاء الشرقية من بلاد السراة، ومعظم المصادر التي أشارت إلى تلك الطريق، ذكرت المحطات الواقعة إلى الشرق من جرش، فابن خرداذبة والإدريسي أشارا إلى المحطات التي تربط مكة المكرمة بصنعاء، وبعد ذكرهما لمحطة مدينة بيشة، استمرا في تعداد المحطات صوب الجنوب حتى ذكرا محطة سروم راح الواقعة إلى الشرق من جرش على بعد ثمانية أميال، أما أبو الفرج قدامة فلم يتفق مع ابن خرداذبة والإدريسي على أن سروم راح تبعد عن جرش المسافة المذكورة آنفاً، علما بأنه لم يذكر المسافة بين البلدتين، لكنه أورد اسم محطة ( كتنة ) الواقعة إلى الشمال من محطتي سروم راح، والثجه، وأكد أن كتنة هي التي تبعد عن جرش بثمانية أميال.
وحسب الدراسات الحديثة يقول الدكتور غيثان الجريس: حدد مركز جرش إلى الجنوب من مدينة خميس مشيط بحوالي خمسة عشر كيلو مترا، على الطريق البري الواصل بين مدينتي خميس مشيط ونجران. وهذا أمر يجعلنا نتوقف مُمعني النظر في أقوال الإدريسي، وابن خرداذبة، لأن الطريق التجاري القادم من الأجزاء الشرقية لبلاد السراة، تبعد محطاته بعشرات الأميال عن مركز جرش، ثم إن المسافة بين محطة بيشة، ومحطة سروم راح، تبلغ حوالي مائة وتسعة عشر ميلا حسب ما جاء في كتاب (صفة جزيرة العرب) للهمداني، وبين كتنة وبيشة حوالي ثلاثة وثمانين ميلا، فليس من المعقول أن يكون البعد بين جرش وبيشة حوالى مائة وخمسة وثمانين ميلا، ولهذا فمن المحتمل، أن يكون الجغرافيون الأوائل قد ذكروا المسافة بين أطراف مخلاف جرش من جهة الشرق، وبين تلك المحطات السالفة الذكر.
ويرجح الدكتور الجريس هذا الرأي لأن مخلاف جرش بجميع مدنه وقراه لا يشمل منطقة خميس مشيط وما حولها في وقتنا الحالي فحسب، بل يشمل أغلب أقاليم عسير، وبخاصة الأجزاء السروية، وبالتالي فاسم جرش لم يكن يشمل المدينة، وإنما كان يطلق على أغلب بلاد عشائر قحطان وشهران وعسير. وبهذا الامتداد، فإن القسم الشرقي من المخلاف، وربما كان يبعد قليلا،
وممّا يؤكد شمول التسمية على اتساع مخلاف جرش، ما جاء في كتاب ( صفة جزيرة العرب) للهمداني تحت عنوان ( جرش وأحوازها ) قوله : «... جرش هي كورة نجد العليا، وهي من ديار عنز بن وائل، ويسكنها ويترأس فيها العواسج من أشراف حمير، وهم ولد يريم ذي مقار القيل، ولهم سؤدد، وإجابة اليمانية في أرض نجد إليهـم.. وجـرش في قاع، ولها أشراف غربية بعيدة منها، تنحدر مياهها في مسيل يمر في شرقيها، بينها وبين حمومة ناصية تسمى الأكمة السوداء، ويلتقي بهذا المسيل أودية ديار عنز حتى تصب في بيشة بعطان، فجرش رأس وادي بيشة، وتندحة من أودية جرش وفيها أعناب وآبار، وكتنة أول حد الحجاز وعرضها وعرض جرش واحد لأنها منها على خط الطول من المشرق إلى المغرب على مسافة أقل من يوم... « وبهذا فالهمداني يذكر بعض أجزاء مخلاف جرش، فذكر أنها كورة نجد العليا، أي تقع في الأجزاء الغربية من أطراف بلاد نجد، ولهذا المخلاف أطراف ونواحٍ تجاه الغرب، ويقصـد بذلـك أطراف بلاد عسير العليا من جهة الغرب، كأبها وما حولها من النواحي، ثم يذكر حمومة، ويقصد به جبل حمومة أو جبل شكر الذي ما زال ماثلاً للعيان حول المدينة العسكرية بخميس مشيط من الناحية الشرقية. وتسمي بعض المصادر الجغرافية والتاريخية جرش باسم مخلاف، وعند الحديث عن شبه الجزيرة العربية، خصوصاً الأجزاء الجنوبية من مكة المكرمة، والممتدة إلى مدن اليمن قال الكبرى : « ولها أعمال تنسب إلى المخاليف
والأعراض « وذكر جرش على أنها من المخاليف الواقعة في تلك الأجزاء. أما اليعقوبي في كتابه ( البلدان ) وتحت عنوان ( من مكة إلى اليمن ) فقد ذكر العديد من الأعمال والمخاليف ومن ضمنها جـرش، وفــي فصـل مستقــل لابن رستــه سمـاه ( الأقاليم السبعة، وأسماء مدنها المشهورة )، أورد في الإقليم الأول العديد من المدن في جنوب شبه الجزيرة العربية، وكانت جرش من ضمن المدن المذكورة، وأشار ابن خرداذبة إلى مخاليف مكة المكرمة، فذكر جرش على أنها من المخاليف التابعة لولاية مكة، وأشار الإدريسي إلى كل من نجران وجرش فقال : « هما مدينتان متقاربتان في الكبر وبهما نخل وبهما مدابغ للجلود... «. وأشار البكري، وياقوت الحموي، وابن منظور إلى جرش فقالوا : « هو موضع باليمن «، ولكن ابن منظور زاد في حديثه قائلاً : «... هو من مخاليف اليمن من جهة مكة، ويوجد في الإقليم الأول، وهو مدينة عظيمة وولاية واسعة «. وبهذا تعتبر جرش، وهي قاعدة المخلاف، من أهم المراكز الحضارية الواقعة شمال نجران وجنوب مكة المكرمة. وكان مركز هذا المخلاف هو المنطقة التي تشغلها المدينة العسكرية الآن في خميس مشيط، وما يحيط بها.