فتحي عطوة (القاهرة)
كردستان أو كوردستان كما يسميها أهلها هي أرض الأكراد ، والأكراد عرق سكن هذه المنطقة ، وناضل منذ القرن التاسع عشر من أجل الاستقلال ، وكرس الاستعمار الغربي هذه النزعة من خلال معاهدة سيفر عام 1920 ، لكن العالم لم يسمح أبدا بإقامة دولة كردية على أرض كردستان . ومشكلة الأكراد في العراق هي جزء من مشكلة الأكراد التي توجد في خمس دول هي تركيا والعراق وإيران سوريا وأرمينيا .

سيتم التركيز في هذه السطور على مشكلة الأكراد كجزء من العرق الكردي الذي يستوطن الحدود الحالية لجمهورية العراق، وهي المشكلة الأكثر جدلا والأكثر تعقيدا في القضية الكردية لكونها نشأت مع بدايات إقامة المملكة العراقية عقب الحرب العالمية الأولى وكان الطابع المسلح متغلبا على الصراع منذ بداياته ولكون العراق دولة ذات خليط عرقي و ديني و طائفي معقد فإن الأكراد العراقيين غالبا ما وصفوا بكونهم أصحاب نزعات انفصالية و إنهم لم يشعروا بالانتماء إلى العراق بحدوده الحالية. كما كثرت الكتابات في الآونة الأخيرة عن الطائفية والفيدرالية العراقية بل والتقسيم .

ومن المفارقات أيضا أن أكراد العراق الذين كانت لديهم نزعات انفصالية يتخوفون الآن من إقامة دولة مستقلة ، ففي مقابلة مع الزعيم الكردي جلال طالباني أجراه تلفزيون هيئة الإذاعة البريطانية يوم 8 ابريل 2006 صرح طالباني إن فكرة انفصال أكراد العراق أمر غير وارد ، وغير عملي لكون أكراد العراق محاطين بدول ذات أقليات كردية لم تحسم فيها القضية الكردية بعد وإذا ما قررت هذه الدول غلق حدودها فإن ذلك الإجراء يكون كفيلا بإسقاط الكيان المنفصل من العراق.



بين الجغرافيا والتاريخ

يكاد يكون هناك إجماع بين الدارسين لتاريخ الأكراد وطبيعتهم أنهم أقوياء ومحاربون أشداء ، وسكنى الجبال أكسبتهم قوة ، ولا يماثلهم في العالم إلا أهل الشيشان والأفغان ، ويقول الباحث الفرنسي توماس بوا في كتابه «تاريخ الأكراد » أن البحث عن أصل الشعب الكردي هو واحد من الأمور التي أنهكت أفكار المؤرخين لمدة نصف قرن من الزمن حيث قدمت نظريات كثيرة بهذا الصدد ومع ذلك مازال الموضوع معقداً .

وهناك نوع من الإجماع بين المستشرقين و المؤرخين و الجغرافيين على اعتبار المنطقة الجبلية الواقعة في شمال الشرق الأوسط بمحاذاة جبال زاجروس و جبال طوروس المنطقة التي سكن فيها الأكراد منذ القدم ويطلق الأكراد تسمية كردستان على هذه المنطقة و هي عبارة عن أجزاء من شمال العراق وشمال غرب إيران وشمال شرق سوريا و جنوب شرق تركيا ويتواجد الأكراد بالاضافة الى هذه المناطق بأعداد قليلة في جنوب غرب أرمينيا و بعض مناطق أذربيجان .ويصف الباحث الفرنسي توماس بوا جغرافية كردستان بأنها تقوم في قلب آسيا الصغرى وتحتل القسم الجبلي الأكبر الذي يمتد بين البحر الأسود وجبال ميزوبوتاميا من طرف واحد وتقابل سلسلة جبال طوروس وهضاب إيران من الطرف الآخر حيث يبدو شكل أرضها كالمنجل أو الهلال وهي تعادل مساحة فرنسا وتشكل أجزاء كبرى من تركيا وإيران والعراق.

وعلى الرغم من عدم وجود خريطة محددة وواضحة لكردستان؛ فإن جغرافية كردستان لم يختلف عليها الباحثون إلا في مساحات صغيرة؛ لذا فإنه يمكن القول: إن حدودها تمتد شمالاً من سلسلة جبال (أرارات) الفاصلة بين إيران وأرمينيا وتركيا والحدود الوطنية للكرد والفرس والأرمن شمالاً إلى جبال (حمرين) الفاصلة بين العراق العربي (بغداد والبصرة) وبين (ولاية الموصل العثماني) جنوبًا وشرقًا من أقصى (لورستان) في إيران إلى ولاية (ملاطية) بتركيا غربًا. أما مساحة كردستان كما يقدرها الباحثون فحوالى 500,000 كم2 تقريبًا وهي بلد جبلي تحتضن جبالا وسهولاً خصبة وترويها أنهار عديدة (دجلة والفرات) حيث ينبعان من أرضها وتكثر في أرضها العيون والنهيرات والجداول.، إلى جانب ما بأرضها من ثروات معدنية ونفطية ومائية

ويرجع العنصر الكردي منذ البداية، وكما تشير الأبحاث إلى الميديين، حيث انتصر الميديون على الآشوريين في القرن السابع (ق.م)، ولكن يختلف الباحثون فيما قبل هذه الفترة، إذ إنه من المعروف عدم وجود عنصر شعبي نقي تمامًا، بمعنى أنه لا توجد حضارة لم يمتزج داخلها أجناس مختلفة في فترات معينة في تاريخها، إلا أن ما اتفق عليه الباحثون هو أن العنصر الميدي هو العنصر الأساسي في التكوين العرقي للشعب الكردي.أما لغة كردستان فهي لغة مستقلة خاصة بهم، وهي تنتمي كما ذكرنا إلى العائلة اللغوية الإيرانية، والتي تضم كلاً من اللغة الفارسية ـ والأفغانية ـ والبلوجية ـ والطاجيك ـ والأسيتينية.

وكانت اللغة الكردية تكتب قبل الإسلام من اليسار إلى اليمين بأبجدية تشبه إلى حد كبير الأبجدية الآشورية والأرمينية، وبعد دخول الإسلام اكتفي بالأبجدية العربية، أما في تركيا فقد فرض كمال أتاتورك الحروف اللاتينية؛ لذا فإن الكردية في تركيا تكتب بحروف اللاتينية.



السلجوقى سنجر

ظهر اسم كردستان أي بلاد الكرد في القرن الثاني عشر الميلادي خلال حكم السلطان السلجوقي سنجر، وقبل ذلك كانت بلادهم تسمى ديار بكر أو الجزيرة، وتمتد مناطق الأكراد اليوم في سبع دول هي: إيران وتركيا والعراق وسورية وأذربيجان وأرمينيا وجورجيا، وتغلب على مناطقهم الطبيعة الجبلية، حتى إنه يقال إن الكردي والجبل لا ينفصل أحدهما عن الآخر، ويقدر عدد السكان الأكراد اليوم بثلاثين إلى أربعين مليون نسمة.

و حسب المؤرخ الكردي محمد أمين زكي (1880 - 1948) في كتابه «خلاصة تاريخ الكرد وكردستان، يتألف من طبقتين من الشعوب، الطبقة الأولى التي كانت تقطن كردستان منذ فجر التاريخ» ويسميها محمد أمين زكي «شعوب جبال زاجروس» وهي وحسب رأي المؤرخ المذكور شعوب «لولو، كوتي، كورتي، جوتي، جودي، كاساي، سوباري، خالدي، ميتاني، هوري، نايري» وهي الأصل القديم جدا للشعب الكردي والطبقة الثانية: هي طبقة الشعوب الهندو- أوربية التي هاجرت إلى كردستان في القرن العاشر قبل الميلاد، واستوطنت كردستان مع شعوبها الأصلية وهم «الميديين و الكاردوخيين»، وامتزجت مع شعوبها الأصلية ليشكلا معا الأمة الكردية .

وتقسم القبائل الكردية إلى أربعة فروع رئيسية هي: الكرمانجي - الكلهر - -الكوران - اللر .



دخول الإسلام

دخل الإسلام على يد «خالد بن الوليد» و«عياض بن غنيم»، وبعد فتحهم كردستان خلال القرن السابع وحتى القرن الحادي عشر بعد الميلاد، أصبح الغالبية العظمى من الأكراد مسلمين على المذهب السني الشافعي.

يغلب على الأكراد الإسلام وهم سنة، وبعضهم شيعة، وبينهم أقليات يزيدية وعلوية ومسيحية ونسطورية، ويعيش بين الأكراد يهود يشتغلون بالتجارة والحرف.. ومن علمائهم المشهورين محيي الدين الخلاط في القرن الثاني عشر الميلادي، وعبد السلام المارديني أحد أساتذة الأزهر.

وظل الأكراد جزءا من الأمة الإسلامية وكانوا يقيمون إمارات محلية وبعضها أقرب إلى الدول المستقلة وإن لم تشمل جميع الأكراد، ومن أهم إماراتهم المستقلة إمارة الشداديين وإمارة المروانيين في القرن الرابع الهجري، وإمارة ديار بكر، وبالطبع فإن أهم وأشهر إمارة كردية هي الأيوبيين التي أسسها صلاح الدين .

وهكذا مع نشأة الظاهرة الاستعمارية وتقسيم تركيا بين الدول الغربية كما سنرى ، نشأ الإحساس لدى الأكراد بهويتهم المستقلة ، وشجع الاستعمار هذه النزعة بتيسير وجود ما يشبه الكيان المستقلّ بهم على حساب الحيلولة دون تيسير أبسط أسبابه هناك ؛ بحيث لا يمكن في الحصيلة أن يصلوا وأن تصل المنطقة معهم إلاّ إلى «صدامات»، سيّان من يكون أطرافها؛ فالمهم أن تقع صدامات، وهو ما يساهم في أن تصل القوى الدولية المعادية إلى أهدافها في المنطقة على حساب الجميع.