في العام 2003 طرحت الحكومة السعودية شركة الاتصالات السعودية STC، للاكتتاب العام، ويتذكر الكثير أن الاكتتاب لم يحظَ في أيامه الأولى بالاهتمام المأمول، نظراً لكونها التجربة الأكبر والأولى بعد طرح سابك منتصف الثمانينات، لقد كانت فترة طويلة نسي الناس فيها أهمية الاستثمار طويل المدى في الأوراق المالية، أيام قليلة حتى بدأ المواطنون في استيعاب حجم الفرصة التي أتيحت لهم، فإذا بالموجة الشعبية المتأخرة تغمر السوق كله، وليس الشركة فحسب.

ذلك الاكتتاب رفع من حجم التداولات في السوق السعودية إلى أرقام قياسية لدرجة تحولها لحمى اجتاحت الجميع بما فيها وسائل الإعلام التي فتحت بثها ساعات طويلة، بل وأنتجت قنوات اقتصادية متخصصة، التحول نحو الاستثمار والادخار دفع أيضا بالعقار لصناعة طفرة إضافية في سوق كانت شبه ميتة لعقدين سابقين، فيما بعد ازداد إقبال المستثمرين في الأسهم على حساب السوق العقارية بسبب تعاظم الأرباح وسرعة التسييل، ومع ذلك كله بقي العقار متحركاً، مستفيداً من الوفورات المالية التي كسبها المتداولون.

طرح شركة الاتصالات السعودية تلاه عشرات الاكتتابات التي أيقظت السوق من سباتها العميق، وبدأ الملاك في حوكمة شركاتهم وتحسين أدائها على أمل طرحها في السوق، بالطبع هذا أثمر عن شفافية وحوكمة واستدامة، والرفع من حجم السوق.

اليوم ونحن على بعد 17 عاماً تقريباً من تخصيص STC، تُطرح أرامكو الشركة العالمية في السوق - المحلية - وهي أكثر نضوجاً وأوسع وأضخم ومعاييرها ذات سمعة دولية، وأضحت معترفاً بها ومصنفة، بالتأكيد سيكون للشركة العملاقة ذات الثمانين عاماً التأثير نفسه وربما أكثر، وستكون كما يأمل الجميع قابساً جديداً يضخ الحركة في الاقتصاد المحلي.

الاكتتاب الذي بدأت مؤشراته القياسية، تنتظره السوق بشغف كبير، وبتوقعات متفائلة وإيجابية، إذ من المنتظر أن يوفر سيولة ملائمة لملاك الشركة وهم هنا الحكومة السعودية ويعطيها الغطاء المالي للتوسع في استثمارات مهمة في النفط والغاز داخل المملكة وخارجها، خاصة مع الإعلانات الإيجابية عن مكامن للغاز في البحر الأحمر التي أعلن عنها مؤخراً، كما سيحقق السيولة اللازمة لمشاريع هي أقرب ما تكون محركات اقتصادية كبرى منها: القدية، نيوم، جزر البحر الأحمر، السودة، العلا، الدرعية، وكلها مشاريع تحتاج إلى مليارات الريالات للاستثمار، ستحقق مئات الآلاف من الوظائف وفرص الأعمال وستحقق في الوقت نفسه عوائد تصب في صالح الاقتصاد المحلي وخزينة الدولة.

الرائع في تلك المشاريع غير المسبوقة - الموزعة جغرافياً - للاستفادة القصوى من مناطق القوة، أنها ستكون القاطرة التي تقود الاقتصاد السعودي بل والمنطقة خلال العقدين القادمين، وما ستخلقه من فرص وظيفية للسعوديين، وأنشطة وأعمال للمقاولين ومزودي الخدمات وشركات الأسمنت والإسكان... إلخ. كل أولئك يعملون بالمشاركة مع آلاف من المؤسسات والشركات الصغيرة وهو ما يعني دورة اقتصادية متكاملة.

سوق الأسهم السعودية ومع بدء تداول الضيف الذهبي، ستكون في انتظار انعكاس اكتتاب أرامكو على شركاتها الشقيقة التي يقدر حجمها بعشرات المليارات، فضلاً عن باقي الشركات في سوق الأسهم المحلية، في البعيد يجب أن نتذكر أن هناك رقابة لصيقة من وسائل الإعلام الغربية، وكذلك من المستثمرين والمحافظ والأسواق العالمية التي تأمل بعد نجاح الاكتتاب المحلي أن يتم الطرح الثاني للشركة في المستقبل لديها.

* كاتب سعودي

massaaed@

m.assaaed@gmail.com