قديما كتبت أننا نموت اختناقا بما هو حادث من تواصل، فمع كثافة وسائل الاتصال دخلنا في رهق نفسي عنيف، كون الأخبار تتهافت علينا من كل حدب وصوب ولم يعد بالإمكان تجنبها.

ففي الزمن السابق كنا نحن من يبحث عن المحطات الإذاعية لتلقف الأخبار والحكايات، أما في هذا الزمن فقد تحولنا نحن إلى محطات تضخ فينا -ونضخ في الآخرين- مئات الأخبار اليومية وعلى مدار الساعة حتى تشتتت أفكارنا وتمزقت نفسياتنا مما نسمع ونقرأ، فتحولت حياتنا إلى مضخة تضخ كل ما يؤثر على أمزجتنا وسلوكنا.

وكثافة التواصل المقروء (الواتساب ونوافذ الدردشة العديدة ورسائل الجوال) أحالت حياتنا إلى صمت مطبق وتحولنا إلى صناديق تلقى بها أخبار العالم وغدونا مشاركين في صياغتها بعلم ومن غير علم. طوفان الأخبار هذا أفقدنا الحميمية الخالصة، فلو كنت داخل بيتك وفي جمعة أسرية سوف يكون الاجتماع اجتماعا جسديا، بينما كل واحد ممن معك يعبث بجهاز ما لبث رسالة أو تلقي رسالة أو انشغل في دردشة مع عشرات البشر الذين ليس لهم وجود في جلستكم تلك.. غدونا نجتمع في البيوت وفي الاستراحات وفي المقاهي وفي الفنادق، نلتقي أجسادا بينما أرواحنا وانتباهنا مكرس لتبادل القلق في مكان آخر.. وأصبحنا جميعا مشاركين في كل حدث محلي أو عالمي بالموافقة أو الشجب أو الاستنكار.

وفي هذا التواصل نشارك أيضا في خلق بلبلة حياتية كون المشاركين في صياغة ما يبث تختلف مستوياتهم المعرفية والعلمية، وكذلك اختلاف الإدراك والوعي فيتم تبادل كل المتناقضات من غير فرز أو تصويب فتصل إلى الطرف الآخر ويتقبلها بما فيها من مثالب، ولعدم وجود جهة تصفية لتلك الأخبار والمقولات تترسخ لدى المستقبل كحقيقة ومن خلال ما يصله تبنى مواقفه وآراؤه وحياته أيضا، ولم يعد الأمر مقتصرا على ما يصلنا من أخبار، بل تحولت أخبار العامة وحكاياتهم إلى أخبار منقولة، ما أضفى غزارة مهولة على كمية المنقول فاقت الاحتياج وفاضت عن الحد لدرجة أنها أغرقتنا.

ولم تعد هناك من وسيلة للهرب من طوفان الأخبار والتعليقات والمقولات التي حولت حياتنا إلى استراحات للقلق أو السأم، وهو ما يذكرنا بما حدث مع بداية الثورة الصناعية في أوروبا، حيث انقلبت حياتهم رأسا على عقب وانشغال الناس عن حياتهم الأولى المتسمة بالدعوة إلى العمل والانهماك الزائد فيه عندها ظهرت دعوة تطالب الناس بالعودة إلى القرية من أجل المحافظة على سلامة الروح من الانجراف في الحياة الميكانيكية ذات التسارع المتقد من أجل استعادة روح الجماعة، ويظهر لي أن العالم الآن يبحث له عن منفذ ليهرب من خلاله بحثا عن ملجأ يقيه من طوفان الأخبار والحكايات والمقولات الجارية جريان الماء، ولأن مكنة التواصل مسحت من الخارطة وجود القرية أو الريف أو هدوء الصحراء أو الجزر النائية فلم يعد هناك مكان لتهرب إليه من كل هذه الضوضاء، ومع أن الظاهر أننا نعيش روح الجماعة إلا أن في عمق هذا التواصل تتواجد حقيقة مؤلمة تشير إلى أننا فقدنا روح الجماعة في حياتنا.

وعندما تلقيت خبرا أن الروائي العظيم جابريل ماركيز أصيب بالخرف، قلت في نفسي لقد هرب من المصيدة التي أعدت للبشرية، فبعد أن تمتع -ومتعنا- بخلق عوالم ساحرة من القصص وأسكننا بها اكتشف أن العالم لن يستقبل شيئا جديدا منه، كونه غدا عالما منشغلا بتلقي الرسائل القصيرة ذات الوخز الحاد من غير أن تمنحك لحظة رائقة تعيش بها أو حالة مزاجية حالمة، فقرر الرحيل إلى براري الخرف هربا من حياة مرهقة بما تحمله لنا من أخبار متوالية وسقيمة ومقلقة وتحيل حياتنا إلى حياة فردية وإن لبست لبوس الجماعة.

فهل على كل ذي فن أن يهرب باتجاه الخرف كون عوالمه لن تكون محل تهافت كما كان يحدث سابقا، ربما في هذا الهياج التواصلي المحموم لا تستطيع أن تسمع قصيدة رائعة أو أغنية ذات شجن أو رواية ذات عالم مدهش.. ربما أشعر بهذا كون الفضاء غدا مزدحما بما لا يجب أن يسمع أو يقرأ، وربما هو شعور متقدم للحاق بماركيز في عالم الخرف، ذلك العالم الذي يسقط فيه الرهق النفسي وتعود لتهجئة حروف العالم وتشكيلها بما يمكنك من إنشاء أو تشييد عالم لا يستقيم إلا في بالك الباحث عن الدعة.

ما زال الوضع الراهن كما شكوت منه قديما (وكما اشتكى منه الكثيرون) راسخا ويتعمق يوميا وليس هناك أي بادرة لحلول عملية تنجينا من هذا الطحن اليومي.

كنت أشتكي من هذا حينما سمعني أحد الشباب، فبادر بالرد:

- لا ترحلوا إلى القرية فلم يعد هناك قرى.. ارحلوا إلى الآخرة!

* كاتب سعودي

Abdookhal2@yahoo.com