حاوره: عبدالله الغزال (الأحساء)
بين طيات صفحات تاريخ الرياضة السعودية، تشهد الأسطر على حقبة ذهبية صنعتها همة الرجال وعزيمتهم وغِيرتهم على وطنهم ليصلوا بها إلى مصاف العالمية كحلم تحول إلى واقع، ومنح رياضتنا رونقاً خاصاً في جميع المحافل والمسابقات، وتبقى محطات الإنجازات الأولى التي كانت لبنة البناء، ذات ذكرى خاصة لاسيما بطولتي آسيا 88، 84، والتأهل الأول إلى نهائيات كأس العالم 1994 في الولايات المتحدة الأمريكية، فتلك الحقبة قادها فكر رياضي محترف بامتياز تسلح بالعزيمة والإصرار ليكون شخصية بلاده الرياضية..

الأمير الراحل فيصل بن فهد -رحمه الله- رجل المهمات الصعبة، نغوص في أعماق شخصيته ومواقفه في تلك الفترة التي شهدت أحداثاً رياضية وسياسية كان له دور ريادي فيها، لاسيما أحداث غزو العراق لدولة الكويت الشقيقة وما قدمه للرياضة الكويتية وعودة مشاركاتها في المحافل القارية بعد أزمتها، ويعرج بنا شوقي الجشي أحد مرافقي الراحل طوال 7 سنوات خلال فترة عمله باللجنة الأولمبية السعودية، بالحديث عن تلك الذكريات موثقاً قصة حمايته الشيخ أحمد فهد الأحمد عندما تعرض لمحاولة اغتيال وقصة السيارة المصفحة لحمايته، مستذكراً أحلام الراحل التي تحققت في عهده وشخصيته وأبرز الأحداث في تلك الحقبة، كاشفاً عن قصة المتحف الرياضي الذي كان أحد أحلام الراحل لتوثيق تلك الفترة المهمة من مسيرة الرياضة السعودية كي تحفظ وتدون وتكون ملهمة لأجيال المستقبل، إلا أن حلمه لم يكتمل.. شجون كواليس تلك الفترة وما حملتها من أحداث ومواقف نستذكرها مع الجشي في ثنايا السطور التالية:

• عرفنا عن نفسك.

•• شوقي حسن الجشي، موظف باللجنة الأولمبية السعودية، لازمت ورافقت الراحل الأمير فيصل بن فهد (رحمه الله) حين كان رئيساً عاماً لرعاية الشباب، من عام 1986 إلى تاريخ نهاية ارتباطي باللجنة عام 1992.

• ماذا كانت مهامك خلال تك الفترة؟

•• كنت مسؤولاً بالعلاقات الدولية باللجنة الأولمبية، وهذه وظيفة كانت تتطلب الكثير من السفر والجهد، خاصة أنها شهدت أحداثاً بارزة بتاريخ المملكة والخليج على الصعيد الرياضي والأصعدة الأخرى، كذلك منها استضافة المملكة لكأس العالم لشباب 1989، وكانت المرة الأولى التي تستضيف فيها المملكة حدثاً مماثلاً وسبقت كل دول المنطقة بذلك، وطبعاً كما هو معروف شهدت تلك الفترة الغزو العراقي للكويت الشقيق وآثار ذلك وصلت كما هو معلوم للوسط الرياضي، وكان للأمير الراحل وقفات تاريخية مشهودة.

• ما أبرز الذكريات التي تربطك بالراحل؟

•• ذكريات كثيرة، لعل أبرزها اجتماعات اللجنة الأولمبية الدولية بصيف عام 90 في اليابان، حيث بذل الأمير فيصل وفريق العمل تحت قيادته كل شيء ممكن لدعم الشقيقة الكويت للمشاركة بدورة الألعاب الآسيوية بصيف عام 90 في الصين، واستثناء مشاركة العراق بتلك البطولة؛ كونه احتل أرضاً شقيقه، وكانت للأمير مواقف بطولية كثيرة في تلك الفترة.

• حدثنا عن أكثر مواقفه مع الكويت الشقيق.

•• بعد الهجوم والغزو واغتيال الشيخ فهد الأحمد كما هو معلوم للجميع، كانت الكويت ومسؤولو الرياضة الكويتية تحت التهديد في ذلك الوقت والقيادة السعودية بكافة المستويات بذلت كل شيء للوقوف بجانب الأشقاء بالكويت.

في سبتمبر 1990، بعد الغزو بفترة حينما تعرض الشيخ أحمد فهد الأحمد لمحاولة اغتيال إبان زيارة له للصين، وكان بعدها بفترة بسيطة اجتماع اللجنة الأولمبية الدولية في اليابان قبل بطولة الآسياد، كان للأمير دور كبير في استرداد حقوق الكويت الرياضية، وأخذ على عاتقه الشخصي ترتيب الحماية الشخصية الخاصة للشيخ أحمد الفهد وأمر بإرسال سيارة مصفحة خاصة تم شحنها من الرياض خصيصاً، لتكون تحت تصرف الشيخ أحمد وكذلك التدابير اللازمة لحمايته وبذل كل شيء ليضمن مشاركة الكويت والرياضيين الكويتيين بتلك النسخة من الآسياد.

• ماهي المشاركة التي كانت محل افتخار وسعادة الراحل؟

•• كان حلم الأمير الكبير رؤية العلم السعودي يرفرف في كل المشاركات والمحافل العالمية، وربما لأن كرة القدم هي اللعبة الشعبية الأولى فقد كان يعتز بالمشاركة الأولمبية الأولى بأولمبياد لوس أنجلوس 1984، وهي بالمناسبة كانت قبل عملي معه، لكن كان حينما يستذكرها ويستذكر بطولتي آسيا الأولى والثانية (1984، 1988) يشعر بالفخر.

في عام 88، كنت أعمل معه وكانت سعادته كبيرة باللقب الآسيوي الثاني على التوالي والسيطرة على أكبر قارات العالم ثماني سنوات، كل هذا قاد بكل تأكيد لإنجاز التأهل الأول لكأس العالم 1994 والمشاركة المشرفة الأولى والأبرز للمنتخب السعودي، كل هذا تحقق نتيجة عمله.

• ما هو الشيء الذي كان يحلم به ولم يتحقق؟

•• من أحلامه إنشاء متحف أولمبي يحكي سيرة الرياضة السعودية وكيف تطورت، ففي إحدى الزيارات إلى لوزان السويسرية زار المتحف الأولمبي وقال لي شخصياً: «إنني أحلم بعمل شيء مشابه للمتحف في الرياض»، كما جلس مع مصمم المتحف شخصياً وكان بحسب ذاكرتي مكسيكي الجنسية، وأتمنى شخصياً اليوم في ظل التطور والدعم الحقيقي الكبير الذي توليه القيادة للرياضة والرياضيين أن يتحول حلم الأمير إلى حقيقة وأن يتم توثيق تلك الفترة المهمة من مسيرة الرياضة السعودية كي تحفظ وتدون وتكون ملهمة لأجيال المستقبل.

• من هو الشخص الذي فقدته الرياضة السعودية؟

•• بكل تأكيد، كل شخص خدم هذا الوطن بصدق وأمانة هو فقيد للوطن ولكل مرحلة رجالها المخلصون، ومن النعم التي أنعم بها الله على هذه البلاد كثرة أبنائها المخلصين، لكن تسألني أنا الشخص الذي عمل مع الأمير فيصل بن فهد رحمة الله عليه، سأقول إن فقده كان مؤثراً بكل تأكيد؛ لأنه كان شخصاً استثنائياً بكل ما تحمله الكلمة من معنى من ناحية الفكر والعمل والتخطيط والنقطة الأخيرة هي ما يميزه رحمة الله عليه، فعمله ممتد كما هي كل مجالات الحياة لولا جهود السابقين لما أنجز الجيل الحالي، وهذا حال الدنيا نبني عملاً فوق عمل لنرتقي ببلادنا في كافة المجالات وما الرياضة إلا إحداها.

• بماذا كان يتميز الراحل؟

•• كان يتميز الراحل بالهدوء والحنكة في اتخاذ القرار؛ فهو الصارم أحياناً حينما يتطلب الأمر صرامة، واللين وطيب القلب والمعشر في أغلب الأوقات، وكان يحرص على أمرين لا يتنازل عنهما أبداً، التميز وجودة العمل، فالعمل السعودي لابد أن يكون مميزاً وذا جودة، كما كان قارئاً نهماً في شتى المجالات كالتاريخ والسياسة والأدب وذلك كان ينعكس على شخصيته المثقفة والرزينة.

• أبرز هدية تلقيتها منه.

•• العديد من الهدايا التذكارية أحملها منه بتلك الفترة وأعتز بها إلى اليوم وإلى آخر يوم بحياتي منها دروع وتكريم وغيرها، لكن تبقى أبرز الهدايا هي الكلمات والنصائح التي أخذتها منه والتي ما أزال أعمل بها وأنقلها إلى أبنائي، حيث كان شخصاً مثقفاً ذا تجربة كبيرة وكلماته وإن كانت قليلة لكنها عميقة وذات مغزى دائماً.

• ما الذي يغضبه؟

•• التقصير في العمل، كان لا يقبل أي تقصير لا بالكم ولا بالجودة، حريصا على ظهور اللجنة الأولمبية السعودية بمظهر الأميز والأفضل بين كل نظرائها بدول العالم.

• كلماته للرياضيين قبل مشاركاتهم في المحافل، ماذا تحمل؟

•• كانت كلماته دائماً تحفيزية، وكان جسر الوصل بين اللاعبين والرياضيين والقيادة الممثلة بأبيه الملك فهد رحمه الله، والقيادة السعودية كما عودتنا دائماً حريصة على دعم أبنائها بكل المجالات والرياضة ليست إلا أحدها، فليس غريباً أن تحقق الرياضة السعودية طفرة نوعية في فترته، توجت بالتأهل الأول لكأس العالم 1994 أمريكا، وما زالت قيادتنا اليوم تولي نفس الاهتمام والدعم للرياضة والرياضيين وهذا ما يجعلها بخير والمستقبل أمامها مشرق خاصة بالدعم الكبير من القيادة، وما نراه من نهضة للدوري والدعم الكبير للأندية بكرة القدم والألعاب المختلفة، الذي تم هذا الموسم إلا دليل آخر على ذلك.

• من الشخص الذي كان يثق فيه؟

•• كان هناك الكثير من الثقات، وأتشرف أني حزت على ثقته في بعض المهام الدولية وتلك الفترة ربما تميزت بوجود كادر إداري سعودي من طراز عالٍ جداً، كأمثال عثمان السعد، وعبدالله الدبل رحمهما الله، والدكتور صالح بن ناصر، كل هؤلاء كانوا ثقات وساهموا تحت قيادة الراحل في الإنجازات الرياضية السعودية بعضها يعلمها الإعلام وبعضها لا، فبعض أعمال الخير من الأفضل أن تبقى طي الكتمان.

• من هو أقرب شخص للراحل؟

•• ربما في فترة مرافقتي له كان الراحل عثمان السعد أقرب شخص.

أعاد الكرة الكويتية للآسياد بدعم استثنائي