يقول خبر منشور بتاريخ 11/11/2019، في موقع «Arabic R T» الروسي، نقلاً عن حسين طانري وردي، البرلماني التركي السابق عن حزب العدالة والتنمية، يقول فيه: أنه زار مدينة رام الله في مايو عام 2004، حين كان ياسر عرفات محاصراً في مقره من قبل الجيش الإسرائيلي لأكثر من عامين.

وأفاد بأن الزعيم الفلسطيني طلب منه «بوضوح تام خلال لقائه به، أن يبلغ الزعماء في أنقرة، بأن يدافعوا عن مدينة القدس والمسجد الأقصى».

وروى أن عرفات قال له: «لدي رسالة لك وللشعب التركي. أنتم العثمانيون الذين حموا القدس في أوقات مختلفة من التاريخ. أنتم من أطلق على المدينة اسم الحرم الشريف».

وتابع أبو عمار قائلاً.. وفق البرلماني التركي السابق: «أمتكم أثبتت أنكم تعرفون قيمة وأهمية القدس بالنسبة للعالم الإسلامي»، مضيفاً أيضاً أن «القدس كانت تحت وصايتكم وحمايتكم». (انتهى الخبر).

الرسالة المزعومة لم تظهر منذ ستة عشر عاماً إلا اليوم، وشاهدها الوحيد المرحوم ياسر عرفات، بالتأكيد أن الرواية مشكوك في صحتها، لظروف حصار عرفات الذي لم يكن يستطيع استقبال أي أحد في فترة حصاره العصيبة.

إلا أن إطلاقها الآن لم يأتِ عبثاً، هي جزء من حملة مكثفة تقودها تركيا منذ سنوات لبناء سيطرتها الروحية على القدس والمسجد الأقصى، وهي تعمل لتحقيق ذلك على خطين متوازيين.

الأول مع إسرائيل مباشرة، فهي تحاول إقناع تل أبيب باستبدال رعاية وزارة الأوقاف الأردنية للمسجد الأقصى، بتركيا، ومن أجل تحقيق ذلك تعمق علاقاتها الأمنية والمالية والعسكرية مع إسرائيل لتتمكن من إنشاء لوبي واسع يساعدها إذا جاءت اللحظة المناسبة للقفز على القدس دون ممانعة بل وبمباركة من حاخامات إسرائيل.

الأتراك يقولون للإسرائيليين في الاجتماعات المغلقة، نحن الوحيدون القادرون على تهدئة الشارع الإسلامي، ونحن من يستطيع بناء جسور بين المسلمين وبينكم، وفي الوقت نفسه يدفعون تل أبيب لعدم الثقة في الأردنيين.

بالطبع حماس والجهاد والتنظيمات المتطرفة في الضفة وغزة تميل لهذه الاستراتيجية التركية، بل إن محمود الزهار القيادي في حركة حماس قال في جلسة حوارية - منشورة - إن فلسطين لا يعطونها في حماس الأهمية الكبرى، فهي ليست سوى جزء صغير من مشروع أكبر (يقصد مشروع الاتراك لعودة السلطنة العثمانية).

تكتيكياً يقوم الأتراك بتحريك الشارع الفلسطيني بواسطة المنظمات من فترة إلى أخرى، ثم يتوسطون للتهدئة ليقولوا للغرب ولإسرائيل نحن فقط من يستطيع إيقافهم..

الثاني.. بدأت تركيا تطبيعاً كثيفاً متعدد الأوجه في القدس، فالسياح المسلمون الوحيدون القادرون على زيارة القدس هم الأتراك، وهذا يتم عبر عمل ممنهج ومنظم، فعدد السياح الأتراك الذين يزورون إسرائيل باتجاه القدس يتجاوز الخمسين ألفاً سنوياً.

العدد في ازدياد بعد أن تولت شركات السياحة التركية تنظيم مئات الرحلات وبأسعار منخفضة في سعيها للوصول إلى نصف مليون سائح تركي خلال السنوات القليلة القادمة، وعلى الرغم من أن الفلسطينيين يعتبرون زيارة القدس تطبيعا مع - الكيان الإسرائيلي - كما يدعون، إلا أنهم لا يطبقون تلك الممانعة على زيارة الأتراك.

هذا يؤكد أن المشهد الفلسطيني الرافض لزيارة أي عربي للقدس هو رفض مسيس لصالح «العثمانيين الجدد»، فالمطلوب انفراد الأتراك بتلك الزيارات وتحقيق غطاء - شعبي فلسطيني تركي إسرائيلي - يسمح للأتراك بالهيمنة على القدس ذات يوم.

كانت الخطة باء، تقتضي السيطرة الروحية وربما الإدارية على المسجد الأقصى، ومع أن الأقصى ليس حرماً ثالثاً بل مسجد يصلى فيه، إلا أن التنظيمات الإسلاموية قادرة على الرفع من مكانة الأقصى إلى مرتبة أعلى من مكة في حال سيطر الأتراك عليه ليعطيهم جواز مرور لإعلان «الخلافة العثمانية».

السؤال المهم لماذا هذه الإصرار التركي على «القدس» واعتبارها جوهرة التاج في السلطنة «الحلم»..

لقد تحولت القدس بعد العام 2010 إلى الهدف الإستراتيجي الأول في الفكر السياسي التركي، لأن العثمانيين الجدد وهم مندفعون لإعادة ما يسمى بالخلافة العثمانية المزعومة، يعلمون يقيناً أن أي خلافة لا يمكن أن تتم دون «الحرمين الشريفين»، ومع سعيهم للإطاحة بالرعاية السعودية للحرمين عملوا على محاولة الاغتيال المعنوي لمكانة المملكة في العالم الإسلامي، كما بدأت في إنشاء كيانات إسلامية موازية للكيانات والمنظمات الإسلامية التي تحتضنها السعودية، هذا العمل هو جزء من الخطة العامة لاختطاف الزعامة الإسلامية من العرب ومن مكة المكرمة وتسليمها لإسطنبول.* كاتب سعودي