لم تكن تصريحات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بعيدة عن النهج السياسي السابق، والتي قال فيها إن بلاده واجهت محاولة الانقلاب الفاشلة ضده، تصدت لها على نحو مغاير لما حدث في بلدان كما سوريا ومصر وليبيا.

الرئيس التركي اتهم بعض الدول الأوروبية بأنها تكيل بمكيالين، في ليلة الانقلاب الفاشلة في 15 يوليو، متابعا: «اعتقدوا أن تركيا ستُهدم من قبل هذا التنظيم، وكانوا ينتظرون أن تركيا ستستسلم أمام هذه المحاولة ولن تحمي نفسها، لكن تركيا لم تكن دولة كسوريا أو مصر أو ليبيا ولم تُهزم كما حدث في هذه الدول عبر تهديدات خارجية»، وهو ما يضع الرئيس التركي ذاته أمام التساؤل الأهم، إذا كانت «الجماعات المتطرفة والإرهابية» التي انقلبت أو خرجت على الأنظمة العربية هي عوامل هدم وخراب كما كاد أن يحدث في تركيا، فلم يدعمها بالمال والسلاح والإعلام ويتفوه باسمها دائما أمام المحافل الدولية؟.

المكيافيلية السياسية التركية ليست وليدة اللحظة، لكن تعدد الجبهات فضح كمّ التناقض المتبع في التعامل مع العديد من القضايا التي باتت مرتبطة بمستقبل منطقة الشرق الأوسط.

جملة من المواقف في السياسة الدولية التركية يجب أن تضع في جدول زمني من خانتين لرصد كمّ الميكافيلية المتبعة من أجل تحقيق الأهداف، باتباع العديد من المبررات التي تحاول أن تصدرها للوصول للغاية، وربما يمكن الاستناد هنا إلى مقولة من كتاب «الأمير»، والتي قال فيها: «من الخير أن تتظاهر بالرحمة وحفظ الوعد والشعور الإنساني النبيل والإخلاص والتدين، وأن تكون فعالاً متصفاً بها، ولكن عليك أن تعد نفسك، عندما تقتضي الضرورة، لتكون متصفا بعكسها».

المقولة السابقة يمكن تطبيقها بشكل دقيق على تعامل تركيا مع أزمات المنطقة بداية من سقوط «جماعة الإخوان الإرهابية»، في مصر في يوليو 2013، ومعها انطلقت تركيا في التركيز على الجوانب الإنسانية والدينية في كل الخطابات الموجهة تجاه مصر.

في المقابل تناست تركيا حزب العمال الكردستاني وجماعة عبدالله غولن وتصنيفهما من قبلها كيانات إرهابية، وهي بذلك تمنح نفسها حق حماية أمنها القومي، فيما تندد بما قامت به مصر لحماية شعبها وأمنها القومي من جماعة ارتكبت العنف والقتل بحق الشعب المصري، ومارست عمليات الهدم تجاه مؤسسات الدولية، إلا أن تركيا كانت ترى في الجماعات ذراعها الجديد في مصر لتحقيق سياستها.

في الأزمة السورية أيضا اعتمدت تركيا على ذات المبدأ، بداية من استقبالها للنازحين بأعداد كبيرة تحت شعارات دينية وإنسانية، في محاولة لإظهار تركيا الإنسانية التي فتحت أبوابها أمام السوريين، وما لبث أن بدأت مرحلة المتاجرة بهم أمام المجتمع الدولي ومؤسسات التمويل، واستخدامهم كورقة ضغط في العديد من الأزمات مع الاتحاد الأوروبي، لتحقيق بعض أهدافها السياسية وحصولها على بعض الأموال.

في ما يتعلق بالدعم التركي للجماعات الإرهابية، فإنها بررت الأمر في البداية بأنه في إطار الجهاد، حيث فتحت حدودها لدخول المقاتلين من كل الدول باتجاه سوريا والعراق تحت مزاعم دينية وإنسانية، ومن ثم أصبحت الآن تحارب الإرهاب والتطرف الذي دخل عبر مطاراتها، بل تقول إنها لن تغادر الأراضي العراقية ولا السورية حتى تطهيرها من الجماعات الإرهابية هناك.

لا تمل تركيا من تبديل أوراقها وأدواتها، إذ هددت مؤخرا بإعادة عناصر التنظيم الإرهابي داعش المسجونين لديها إلى بلدانهم، غير أنها من المستبعد القيام بهذه الخطوة، لما لها من تبعات سلبية عليها حال التحقيق مع هذه العناصر ومعرفة كيفية دخولهم لسوريا والعراق، فضلا عن عمليات الدعم بالسلاح والمال، وهو ما سيوثق المعلومات المتوفرة عن الدعم التركي.

بالعودة إلى إحدى مقولات كتاب الأمير تقول: «من يصبح حاكما لمدينة حرة ولا يدمرها فليتوقع أن تقضي عليه لأنها ستجد دائما الدافع للتمرد باسم الحرية وباسم أحوالها القديمة»، وهي المرحلة التي سيلجأ إليها الرئيس التركي في المستقبل بعد أن يتورط أكثر في الأراضي السورية العراقية وسياسته التي ستقوده حتما إلى مقولة من نفس الكتاب تقول: «إن الذين يفتقدون إلى الحكمة عندما يبدأون أمرا جديدا، قد يسعدون بجني ثماره، ولا ينتبهون إلى السم الموجود بداخله».

* صحفي مصري وباحث بالشؤون التركية