إبراهيم علوي (جدة)
البيوت أسرار.. لكن في بعض الأحيان لابد من كشفها وتمليك حقائقها للأجهزة الأمنية لتؤدي مهماتها حفاظا على أسرار البيوت وصونا لها وحفاظا على أعراض ساكنيها.

البعض يتجاوز الإبلاغ عن التغرير بالفتيات عملا بمبدأ العيب والنأي عن «الفضيحة»، لكن تداعيات الصمت تأتي أكثر ضررا.

وللوقوف على هذا التناقض، طرقت «عكاظ» باب هذا الملف الحساس وسألت الخبير الأمني اللواء مسفر الجعيد، فرأى وجود أياد خفية داخلية وأخرى خارجية تعمل على التغرير بالفتيات، إما لأغراض جنسية أو للإساءة للوطن عبر استخدام المغرر بهن بنشر الشائعات وتزوير الحقائق، ما يستوجب التنبه إلى ذلك ومراقبة الأبناء والبنات وحثهم على القيم الفاضلة بعيدا عن الغلو والكبت والشك الذي قد يتحول إلى مشكلة تنتهي بهروب الفتيات من بيوت أسرهن وتتلقفهن إياد سيئة تنجح في التغرير بهن، بعد أن زينت لهن الهروب من عصمة الأسرة واعتباره بابا للحرية الزائفة.

ويضيف الجعيد أن بعض الحوادث التي وقعت أخيرا تشير إلى ضلوع أياد داخلية تشبع رغباتها عن طريق إيقاع الفتيات تحت ضغوطات الكلام المعسول والوعود الزائفة بتوفير كل ما تحتاجه الفتيات من مستلزمات السهر والترفيه والمستقبل الوردي المكذوب، لتأتي المرحلة التالية التي تتمثل في إسقاط الضحايا في الوحل، وإغراقها بالمخدرات، لتصبح الضحية صيدا سهلا تتناوله الأيادي.

ويؤكد الجعيد ضلوع أياد خارجية في التغرير بالفتيات لاستخدامهن سلاحا ضد الوطن، إذ أثبتت التحقيقات الأمنية أن منصات التواصل الاجتماعي سلاح يستخدمه هؤلاء لخداع المغرر بهن، خصوصا في برنامج التليغرام الذي تعمل فيه عصابات منظمة تدار من جهات معادية تعمل على استهداف الفتيات وإقناعهن بأوهام الحرية للوصول إلى دول معينة، إذ يتم استخدام الضحية في نشر الأباطيل والأكاذيب، ثم يخفت الوهج أمام الضحية لتجد نفسها وحيدة، وتتحول أيضا إلى صيد سهل لا تجد ما يسد رمقها فتعمل خادمة في المنازل والمطاعم.

ويروي الجعيد في هذا الجانب قصة إسقاط مروج لمادة الشبو والمواد المخدرة في الرياض، إذ إنه بمداهمة موقعه عثرت الجهات المختصة على فتاة بصحبته في الـ16 من عمرها متغيبة عن أسرتها نحو شهرين، وأشارت التحقيقات وقتذاك إلى أن المروج قيدها بالحديد وأجبرها على تعاطي المخدرات.

ويرى الخبير الأمني مسفر الجعيد وجود عوامل عديدة تهيئ الفرص للتغرير بالفتيات وهروبهن، منها ضعف اهتمام الأبوين وقسوتهما في معاملة البنات، أو التدليل المفرط، وعدم وجود تفاهم بين الأب والأم، وغياب الحوار الأسري الإيجابي، وانعدام التواصل بين أفراد الأسرة ومع الفتاة بشكل خاص، إذ إن كل هذه العوامل تعزز السلوك السلبي، فضلا عن الدور الذي تلعبه بعض وسائل الإعلام والإنترنت الذي غيّر كثيراً من القيم الاجتماعية والدينية لدى الفتيات.

باحثة اجتماعية: موهومات يبحثن عن الحنان الزائف



عدت الباحثة الاجتماعية اعتدال الحربي الأسرة نواة المجتمع والعامل الأول والأساسي في تكوين الكيان التربوي وصمام أمان للمجتمعات، إذ يعتبر الاستقرار الأسري ركيزة أساسية لها تأثيرها القوي على المجتمع، وحدوث أي خلل يؤثر على كل الأطراف.

وأضافت الحربي أن الأسرة التي يحدث فيها نوع من التفكك والخلاف بين الأبوين بالانفصال الفعلي (الطلاق) أو الانفصال العاطفي يؤثر على الأبناء، خصوصا الفتيات في سن المراهقة، إذ يصبح البعض منهن غير قادرات على التأقلم مع واقعهن الأسري الفقير بالرعاية والحنان، الأمر الذي يدفع الفتاة للبحث عن العاطفة والحنان في مكان آخر، كما أن وجود فجوة في العلاقة بين الوالدين وأبنائهم، خصوصا بين الأم والبنت، ونقص الثقة يولد لديها الرغبة في الانفصال والاستقلال بحياتها وتصرفاتها إذا وجدت من يشجعها ويحرضها على ذلك من الأصدقاء في المدرسة أو في وسائل التواصل.

وتضيف الباحثة اعتدال الحربي أن فقدان الجو الأسري المطمئن المستقر مع سهولة إيجاد بدائل حتى ولو كانت وهمية تدفع الفتاة إلى السقوط في أيدي المغررين والمحرضين في وسائل الاتصال الاجتماعي لدفع الفتاة للقيام بأنشطة مجرمة ومخالفة كتوزيع المخدرات بعد إيهامها بالحياة المترفة والحرية المتوهمة، ومع الأسف تصدم الفتيات المغرر بهن بواقع الحياة المعاش فعلياً واختلافها جذريا عن ما تم إيهامهن به وما صور لهن.

وتنصح الباحثة الأسر بتأمين الاستقرار النفسي والاجتماعي للفتيات من خلال الاحتواء والحوار المستمر لتشكيل الوعي من خلال النقاشات الهادفة لتوضيح الجوانب السلبية والإيجابية لمنصات التواصل، خصوصا في سنوات المراهقة والتكوين، مع الحرص على المتابعة وتوحيد الجهود بين الأسر والمدارس لتعزيز جانب التوجيه والإرشاد وتفعيل دور الأخصائية الاجتماعية، إذ تعد المدرسة وسيطا تكميليا لا يتقصر دورها فقط في التعليم.

المحامية عسيلان: الهروب عند بعضهن.. خيار

صور



وصفت المستشارة والمدربة القانونية أمل عسيلان جريمة التغرير بالفتيات بأنها تندرج تحت جرائم الاتجار بالأشخاص، إذ نصت المادة الثانية على «يحظر الاتجار بأي شخص بأي شكل من الأشكال بما في ذلك إكراهه أو تهديده أو الاحتيال عليه أو خداعه أو خطفه، أو استغلال الوظيفة أو النفوذ، أو إساءة استعمال سلطة ما عليه، أو استغلال ضعفه، أو إعطاء مبالغ مالية أو مزايا أو تلقيها لنيل موافقة شخص له سيطرة على آخر من أجل الاعتداء الجنسي، أو العمل أو الخدمة قسرا، أو التسول، أو الاسترقاق أو الممارسات الشبيهة بالرق، أو الاستعباد، أو نزع الأعضاء، أو إجراء تجارب طبية عليه».

وتعاقب المادة الثالثة مرتكب الجريمة بالسجن مدة لا تزيد على 15 سنة أو غرامة لا تزيد على مليون ريال أو بهما معا، ولا يعتد برضا المجني عليها في ذلك.

كما تندرج عقوبة التغرير بالفتيات تحت نظام حماية الطفل؛ لأن كل من لم يتجاوز الـ18 من عمره يعتبر قاصرا، ونصت المادة الثالثة على أنه يعد إيذاء أو إهمالا تعرض الطفل للاستغلال الجنسي أو المادي أو استخدامه في الإجرام أو التسول، كما نصت المادة ذاتها على ثبوت المسؤولية القانونية على الأسرة المفرطة. ونصت المادة الثامنة من نظام مكافحة الجرائم المعلوماتية على أنه لا تقل عقوبة السجن أو الغرامة عن نصف حدها الأعلى إذا اقترنت الجريمة بالتغرير بالقصّر ومن في حكمهم أو استغلالهم، والعقوبة مدة لا تزيد على سنة وغرامة لا تزيد على 5 آلاف ريال في حال فقط الدخول غير المشروع لتهديد شخص أو ابتزازه لحمله على القيام بعمل أو الامتناع عنه.

وحمّلت القانونية أمل عسيلان الأسرة المسؤولية القانونية، اذ تقع على عاتقها المسؤولية بالدرجة الأولى إما بالتعنيف أو الإهمال أو السلوكيات غير الأخلاقية، فعدم استقرار الأسرة يؤدي بالفتاة إلى القلق وانعدام الدفء ما يؤدي إلى الانحراف. وأوضحت أن المجتمع الخارجي المحيط بالأسرة بما يحويه من إطار اجتماعي وثقافي يمكن أن يسهم في انحراف الفتاة حين يختل التوازن بين الأهداف التي تسعى إليها الفتيات داخل الأسرة والوسائل التي يوفرها المجتمع خارجها، فيصبح الانحراف الذي يمثله هنا الهروب هو الخيار المتاح لهؤلاء الفتيات لتحقيق أهدافهن.