إنها حالة فريدة وتطور استثنائي في تاريخ المنطقة برمتها، تلك الاحتجاجات التي شهدها لبنان وكذلك العراق، لا تقارن بأي حدث أو انتفاضة شهدتها هذه الدولة أو تلك، ولكنها الثورة على الذات الطائفية التي نمت وترعرعت خلال قرن ونصف القرن في لبنان، وعقد ونصف العقد في العراق. صحيح أن هناك خصوصية عراقية وأخرى لبنانية تترك بصماتها على التحركات الشعبية بالأسلوب والأدوات ولكن المضمون مشترك. في المعارك الكبرى يلجأ العقل الجمعي إلى تقسيم فيه تبسيط مخل ولكنه ضروري للحشد والتعبئة، تقسيم ما بين خير وشر، ما بيننا نحن أهل الخير وهم أهل الشر، نحن أصحاب الحق وهم المغتصبون للحق. وهكذا يصبح تقسيم العالم إلى فسطاطين مسألة ضرورية وحتمية حتى نستطيع النصر في معركتنا. في نموذج الدولة التونسية على سبيل المثال هذا التقسيم جلي واضح، ما بين نظام الرئيس الراحل زين العابدين بن علي وما بين الأغلبية التي قامت بالثورة. أما في المعركة الأسطورية كما في لبنان والعراق فـ(نحن) و(هم) ليسا واضحين، فكان على الجماهير الغاضبة أن تعيّن من (نحن) قبل أن ترسي أسس انتفاضتها. نحن في لبنان كانت الطائفة (طائفتي) والآخر أو (هم) كانت الطائفة الأخرى، وهذا الانقسام هو الذي شكل لبنان على امتداد مئة وستين سنة ماضية وعلى هذا فتجاوز هذا التقسيم بين نحن وهم يحتاج إلى ثورة بحد ذاته، المتظاهرون كانوا يقاومون أنفسهم في جزء من تحركهم، يقاومون مؤسساتهم الاجتماعية، يقاومون مؤسساتهم الدينية، ثم يذهبون لمقاومة السلطة، بمعنى آخر الـ (النحن) هنا ليست طائفتي بل كل الطوائف مصبوبة في بوتقة واحدة هي اللبناني والـ (هم) هي كل طوائف السلطة أو كل سلطة الطوائف. في العراق الأمر لم يختلف كثيرا، وإن كان الأمر يقتصر على البنية الطائفية الشيعية بالدرجة الأولى وما يحدث من تفاعلات في تمظهرها الاجتماعي والسياسي. الشيعية الاجتماعية تجاوزت ذاتها لتكشف عن انتماء وطني تجاوز المذهبية ومن هنا أيضا كانت المظاهرات هي في مواجهة الذات قبل أن تكون في مواجهة السلطة. لتبيان أهمية ما يحدث في البلدين ولتبسيط الخصوصية العراقية واللبنانية يكفي الإشارة إلى أن الدول العربية الأخرى على اختلاف أنظمتها السياسية فإن الدولة تسعى لتكريس هوية وطنية ويرى النظام السياسي أن تلك الهوية هي ضمانة له. أما في العراق ولبنان فإن النظام السياسي يسعى إلى تكريس الهوية الطائفية المتناحرة ويرى النظام السياسي أن تلك الهوية الطائفية المتشرذمة هي ضمانة له.

الـ (النحن) كانت غطاء تتدثر به السلطة باعتبارها تمثيلا لكل الطوائف في الحالة اللبنانية أو لطائفة الأغلبية في الحالة العراقية من جهة والشكل الديمقراطي الذي يعطي شرعية لطوائف السلطة أو لسلطة الطوائف من جهة أخرى. ولكن عندما أزالت الانتفاضة ذلك الغطاء ظهرت السلطة عارية أمام الشعب في كلا البلدين. حيث الوكيل لم يعد كافيا لإعادة تأهيل السلطة فكان لابد أن يظهر الأصيل، مدى ظهور هذا الأصيل مرتبط بخصوصية البلدين وطبيعة التوازنات ففي لبنان كان ظهور الأصيل الإيراني ليس ضروريا باعتبار الكفيل (حزب الله) هو جزء من المنظومة الإيرانية بشكل مباشر، كما أن المفاصلة بين الحاضنة الاجتماعية الشيعية وبين الحزب الإرهابي ليست واضحة بالرغم من المظاهرات المفاجئة والساحقة في العمق الاجتماعي للمنظمة الإرهابية، لذلك ما زال حزب الله هو الذي يدير أزمة النظام الإيراني في لبنان كما أن حضور الطوائف الأخرى سوف يجعل الحضور الإيراني أكثر صفاقة وفجاجة. في العراق المفاصلة كانت بين أبناء الطائفة الشيعية والسلطة واضحة وجلية كما أن الوكلاء متعددون سواء في الإطار الرسمي أو في الميليشيات أو في الطبقة السياسية، لذلك كان لابد أن يظهر الأصيل لترتيب الأوضاع ولإدارة الأزمة، ومن هنا ظهر الإرهابي قاسم سليماني ليدير الأزمة وتقلص هامش حرية الحركة والقرار للمسؤولين العراقيين. وكما نشرت وكالة الأسوشيتد بريس فإن كثيرا من ضباط الأمن استغربوا عندما حضر سليماني بديلا عن رئيس الوزراء وأخذ موقعه على رأس طاولة الاجتماعات الأمنية. واجهت إيران الكثير من الصعوبات في ترسيخ نظام الملالي وفي صياغة السياسة الإقليمية، ولكنها اليوم تواجه أكبر خطر تتعرض له تلك السياسة. فهي اليوم تواجه شعوبا تغلبت على ذاتها وبدأت ببناء هويتها الوطنية المتجاوزة لخنادق الطائفية وهذا هو الأساس الذي ستعود من خلاله الدولة العراقية وكذا الدولة اللبنانية.

اللافت للنظر أن إيران قد تحالفت مع قوة إقليمية لا تختلف في توجهاتها عن نظام الملالي، فهي تريد أن تبني فضاءها الخاص عبر جماعات موالية وحضور مباشر إذا تطلب الأمر، نتحدث عن تركيا. لذلك فإن إعادة الهوية الوطنية سوف يضرب هذا الفضاء التركي بنفس الدرجة الذي يريد من خلالها تحرير البلاد والعباد من الهيمنة الإيرانية، لذلك ليس من الغريب أن نسمع تلك التصريحات المخزية التي ترى أن انتفاضة الشعب العراقي ليست سوى مؤامرة تستهدف إيران وأنها تريد أن تخلق الانقسامات في العالم الإسلامي، إذا طالب الشعب العراقي بكرامته وإذا طالب بحريته وإذا طالب بلقمة عيشه يصبح متآمرا وساعيا لتقسيم العالم الإسلامي! سؤال برسم كل الأتباع والذيول.

* باحث في الفلسفة السياسية، خبير في قضايا الشرق الأوسط

ramialkhalife@