قد تولد ثقافة الإنتاج من رحم ثقافة الاستهلاك، فاندفاع الشباب من السعوديين والسعوديات للاستثمار في المقاهي والكافيهات -رغم كثرتها- ناتج في تقديري عن تأثير ثقافة استهلاكية بين الشباب محورها الأساسي ارتياد المقاهي والكافيهات المرتبطة باستهلاك القهوة -على وجه التحديد- تشمل أنواع القهوة ومذاقاتها ونكهاتها وخلطات القهوة وأشكال وألوان أكواب القهوة وأساليب تقديمها كنمط من أنماط الموضة.

الثقافة الاستهلاكية تعلم الشعوب مقومات الإنتاج الناجحة. السياحة ليست استثناء، فالسعوديون من رواد السياحة في المنطقة والعالم، فهل هذا مؤشر يبشر بمستقبل زاهر لنجاح خطط وبرامج السياحة في المملكة من هذا المنطلق، حيث تراهن عليه الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني وشركاؤها لوضع المملكة على خارطة السياحة المحلية والإقليمية والعالمية خلال السنوات القليلة القادمة؟ فحسب مصادر هيئة السياحة والتراث الوطني، تستهدف الرؤية 2030 رفع مستوى الدخل القومي للسياحة من 3% حاليا إلى 10% بحلول 2030، كما تستهدف خلق مليون وظيفة بحلول 2030، إلى جانب الوظائف المتاحة حاليا التي تصل إلى 600 ألف وظيفة، وبالتالي تقليص نسب البطالة إلى حدود 6%، بالإضافة إلى أنها تستهدف بحلول 2030 تحقيق 100 مليون زيارة من السياح مقارنة بـ40 مليون زيارة حاليا. فهل هذه الأرقام واقعية أو قريبة من الواقع؟

في ندوة سياحية استشرافية احتضنتها محافظة الغاط الحالمة الوادعة الممتدة خضرتها ومزارعها بين شموخ جبالها وسحر نفودها وكثبانها الرملية، تتوسط المكان بين الرياض والقصيم، وتتوسط الزمان بين التاريخ وما قبل التاريخ، وتتوسط الاقتصاد بين الزراعة والسياحة.

يوم (السبت) الماضي عقد منتدى الأمير عبدالرحمن السديري للدراسات السعودية، ندوة تحت عنوان «قطاع السياحة السعودي.. الإنجازات والتحديات وآفاق التطوير»، وكأن المنظمين لهذا المنتدى والقائمين عليه استشعروا قيمة الموضوع والمكان والزمان، بدعوتهم عددا من المتحدثين من المتخصصين والأكاديميين والخبراء والمهتمين في مجال السياحة والقطاعات ذات الصلة بها، حيث تم الاحتفاء وتكريم شخصية المنتدى الأمير سلطان بن سلمان بن عبدالعزيز، عراب السياحة ومدرسة السياحة الأولى في المملكة، حيث تحدث عن رحلته الطويلة والمضنية في وضع اللبنات الأولى للسياحة في المملكة.

على مدار جلستين من الحوار الصريح والممتع، أبدى المشاركون تفاؤلاً حيال العديد من الجوانب المتعلقة بحاضر ومستقبل السياحة في المملكة، في ضوء صدور العديد من التشريعات والتنظيمات في المملكة لتشجيع السياحة والاستثمار في هذا القطاع.

فقد أبدى بعض المتحدثين تفاؤلا باعتماد المملكة للتأشيرة السياحية لأول مرة في تاريخها الذي يعد مؤشرا حقيقيا على دخول المملكة عصر السياحة من أوسع أبوبه، خاصة أن في المملكة ما يتجاوز الـ10 آلاف موقع تاريخي وأثري، التي يعود أغلبها إلى عدد من المحطات الحضارية التي تعاقبت عبر التاريخ على الجزيرة العربية، ناهيك عن أهمية الحج والعمرة للمسلمين وما يتوقعه المخططون من رفع الطاقة الاستيعابية في المنافذ والمشاعر تلبية لرغبة الحجاج والمعتمرين.

غير أن البعض من المتحدثين أثار تساؤلات جدية حول التحديات التي قد تواجهها خطط السياحة في مجال سعودة بعض المهن السياحية نتيجة للثقافة المجتمعية في بعض المناطق، ومن هنا توقف البعض عند أهمية اللا مركزية في صناعة السياحة، بحيث تصبح لكل منطقة أو محافظة هوية سياحية نابعة من مقوماتها السياحية الطبيعية ومن ثقافة العمل فيها.

فثقافة السياحة في المناطق الزراعية تختلف عن ثقافة السياحة في الأماكن التاريخية، وهذه تختلف عن ثقافة السياحة الطبية، وثقافة السياحة الصحراوية... إلخ.

أعتقد يقينا بأن نتائج هذا المنتدى ستمثل أهمية حيوية لصناع القرار السياحي، خاصة أنها تتزامن مع اعتماد وإطلاق المملكة لعدد من المشروعات الاستثمارية السياحية العملاقة، مثل البحر الأحمر ونيوم والعلا والدرعية، وغيرها من المشروعات الكفيلة بخلق ليس فرص العمل فحسب، بل والفرص الاستثمارية لأبناء وبنات الوطن.

أسجل هنا تقديري وشكري لمؤسسة الأمير عبدالرحمن السديري التي أخذت على عاتقها أن تكون عونا وسندا لكل ما يصب في خدمة الوطن وقضاياه الحيوية وفي الوقت المناسب، شكرا للقائمين عليها ولمواكبتهم لكل التحديات والتطلعات.

* كاتب سعودي

Dwaihi@agfund.org