هل أمر سد النهضة حُسِم، وليس أمام دول مصب النيل (السودان ومصر)، إلا الاستسلام لقدرهما وانتظار مصيرهما المحتوم، بالعطش والجوع.. والبحث عن بدائل أكثر تكلفة.. وأقل عملية، لسد رمق شعوبهما من الماء. قد تبدو أزمة المياه المُقْدِمَةُ عليها مصر، أشدُ وطأةً من تلك التي سيعاني منها السودان. في الحقيقة: الأمر ليس كذلك، فسد النهضة خطر وجودي على دول المصب، يفوق جدل احتياجات التنمية، من الماء، الكهرباء، لإثيوبيا، بمراحل.

لكن الخطورة التي تواجهها مصر، من بدء تشغيل خط النهضة، وما يعنيه ذلك من مشاكل قريبة تواجهها في الأمدين القصير، في فترة ملء السد.. والطويل، في الوفاء باحتياجات السد من المياه، ليعمل بكامل طاقته في توفير المياه والكهرباء، بعد مرحلة ملئه، حيث يتوقع أن يحتاج لأن يحتفظ في كل الأوقات بكمية من المياه تصل لكامل حجم تدفق المياه فيه سنوياً، غير كمية المياه الضخمة التي تُهدر في الشقوق وبفعل البخر، خلف بحيرة السد وفي مجراه الجديد.

مصر التي يزيد عدد سكانها على المئة مليون نسمة، مع شحها الخطير في مصادر المياه، التي تعتمد، إن وجدت، كالمياه الجوفية، على جريان النيل في واديه بمعدله التاريخي الطبيعي، فإنها ببساطة: لن تقبل بواقع سد النهضة، دون المساومة على أمنها القومي، بل ووجودها المصيري.

صحيح: فات الوقت الذي كان لمصر، أن تحول دون بناء السد، لكن بِيَدِ مصر، الآن الفرصة، بل وربما القدرة، إذا ما توفرت الإرادة السياسية الماضية، أن تحول دون تشغيل السد أو حتى بدء مرحلة ملئه بالمياه، حتى تضمن مصر ليس فقط حقوق نصيبها التاريخية من مياه نهر النيل، بل أيضاً ضمان تدفق لمياه النيل، تتكفل بسدِ جزءٍ كبيرٍ من احتياجاتها المائية المستقبلية، عن طريق تطوير أساليب غير تقليدية، وأكثر ترشيداً للاستفادة القصوى من مياه النيل، بالتعاون مع دول الحوض.. والأهم: عن طريق بذل جهود ذاتية، مبتكرة ومتطورة تكنولوجياً.

مصر، بدايةً: عليها أن تعلن للعالم، بأسره، وليس إثيوبيا، فقط، أنها: لن تقبل بواقع وجود سد النهضة الإثيوبي، مهما كلفها الأمر.. وأنها ستفعل كل ما يمكنها فعله، في سبيل الحؤول دون تشغيل السد، على حساب حقوقها التاريخية في نصيبها من مياهه. مصر، لابد أن يكون للعالم، بأسره واضحاً، أنها جادة وتمتلك الإرادة والقوة، في الدفاع عن حقوقها التاريخية في مياه النيل، دون أن تستثني أي عملٍ، من شأنه أن يضمن حقوقها التاريخية في مياه النيل.

مصر، لابد أن يكون واضحاً أنها، وإن أبدت حُسْن نواياها، وهذا خطأ استراتيجي وقعت فيه الدبلوماسية المصرية، بسماحها الشروع في بناء السد، منذ البداية، إلا أنها لن تتهاون، بعد الآن وتسمح بتشغيل السد، وإثيوبيا تصر على رفضها أي نقاش في الجوانب الفنية لمشكلة السد.. وتمارس هوايتها في إضاعة الوقت، حتى تنتهي من بناء السد، لتضع مصر في واقع يشبه «الموت عطشاً». كل هذا والعالم، لا يحرك ساكناً، بل هناك من الأطراف الإقليمية والدولية، من يتواطأ مع أديس أبابا، للإضرار إستراتيجياً بأمن مصر الوجودي.

مصر، عليها أن تبدأ بحملة دبلوماسية، شديدة الشراسة والهجومية، على مستوى العالم، لتوضيح خطورة أن يبدأ تشغيل السد، ولم يُستجب لحقوقها التاريخية في مياه النيل.. وأنها، بالتالي: تضع العالم، بأسره عند مسؤولياته، لحفظ السلام والأمن الدوليين.. والنظر إلى القضية، بوصفها عاملَ عدمِ استقرارٍ خطيرٍ، لا يقوى على تحمل تبعاته الاستراتيجية الخطيرة، العالم بأسره.

يجب أن يتواكب مع هذه الحملة الدبلوماسية الدولية الشرسة والهجومية، التي قد تبدأ بمجلس الأمن ولا تنتهي عند أي قوة فعالة ولها مصلحة في استقرار العالم وأمنه، مع حملة موجهة لا تقل شراسة وحسماً، لحشد الرأي العام في مصر والعالم العربي، استعداداً لما ستقدم عليه مصر من عملٍ من شأنه أن يحول دون تشغيل سد النهضة الأثيوبي، وربما يجعله أثراً، قبل أن يشاهده العالم عياناً. إذا كان رئيس وزراء إثيوبيا قد هدد أنه باستطاعة حكومته، أن تحشد مليونا من البشر للدفاع عن قضية سد النهضة الباطلة والعدوانية، فإن مصر والعالم العربي معها، بإمكانهم حشد عشرات الملايين من البشر، من أجل قضية عادلة، لوقف النتائج الكارثية لتشغيل سد النهضة، على أمن مصر القومي ومصيرها الوجودي.

مصر، بكل تأكيد، بإمكانها أن تَحُولَ دون البدءِ بتشغيلِ سدِ النهضة، وإن فاتت فرصتها في الحُؤولِ دون بنائه، منذ البداية، حتى اقتربت مرحلة ملئه، مدشنةً ساعة بدء تشغيله، فإن مِصْرَ، بإمكانِها، استعمال القوة، متى أضطرت للجوء لذلك من باب آخر الدواء الكي، إن هي أرادت، لتعطيل العمل في السدِ تماماً، ليس فقط تأخير موعدَ البدء في ملئه، تمهيداً لتشغيله.

بإمكان القاهرة أن توقف أعمال البناء في سدِ النهضةِ، بضربِ منشآتِ البناءِ نفسِها.. وضربِ خطوطِ إمدادها.. وضربِ معدات تشغيل مولدات الكهرباء، وحتى الحيلولة دون بدء تشغيلها، بِضَرْبِها في دشمِها.. وتدمير فتحات خروج المياه من التوربينات. أكيد القيادة العسكرية، في القاهرة، إن وصل تكليف سيادي لها بالتعامل مع سدِ للحؤول، دون بدء تشغيله.. وجعله أثراً، قبل أن يكون عيناً، إذا ما توفرت للقوات المسلحة المصرية الإمكانات لذلك، بعد أن تكون القيادة السياسية، قد حسبت بدقةٍ تكلفة ذَلِك.. وتوفرت لديها إرادة الردع الإستراتيجي الماضية، لاتخاذ مثل هذا القرار السياسي الخطير والمصيري.

بناء سد النهضة شيء.. والبدء في تشغيله، شيء آخر. وإن فاتت فرصة منع بنائه، فإن فرصة، وقف تشغيله وجعله كأن لم يكن، مازالت قائمة. المهم: وقف النهج التقليدي الذي واكب مرحلة بناء سد النهضة.. والبدء بأسلوب أكثر عملية وأشرسَ هجوميةً وحسماً ومضاءً، بوضع حد نهائي لسد النهضة، مرة واحدة، وللأبد.

* كاتب سعودي

talalbannan@icloud.com