أصر الحراك الشعبي الذي تشهده الساحة السياسية اللبنانية مؤخراً على عدم قبول أي تسوية سياسية تعيد إنتاج ذات الكيانات والطوائف والزعامات الوراثية، فصوت المحتجين والمتظاهرين كان صادحاً ومجلجلاً ومطالباً بـ«كنس» الساحة السياسية من كل «الوجوه» المحفوظة، فجاء الهتاف عالياً «كلن يعني كلن ونصر الله منن»، وهو هتاف مطلبي يسعى إلى «تصفير» العداد السياسي اللبناني، وإعادة تشكيل الحياة فيه على رؤى الثوّار، وتطلعات الجيل الجديد، وهي الرسالة التي التقطها رئيس الوزراء سعد الحريري سريعاً، وفهم مغزاها فبادر إلى الاستقالة، ملقياً بالكرة في ملعب الرئيس ميشال عون.. الذي واجهه المحتجون من قصره وفتح ساحة مقابلة ليثبت للعالم أن لبنان لا يزال مخطوفاً وأنه ليس رئيساً لكل اللبنانيين كما يدعي التيار العوني المفضوح والمُسيّر من المرشد الإيراني وربيبه باسل المتغطرس.

وعلى خلاف الوعي السياسي الذي استشعره «الحريري»، جاء موقف حزب الله وحركة أمل بالسباحة عكس التيار، والوقوف ضد التيار الشعبي، بما يكشف عن أفق سياسي متدنٍ، ووعي اجتماعي قاصر، حيث «نفخ» نصر الله أوداجه وأطل على الشاشة متوعداً ومخوفاً ومسترهباً المحتجين بفزاعة «الفوضى وانهيار الدولة»، فجاء خطابه بصوت «الوصي»، محدداً للمحتجين والثائرين السقف المسموح به في المطالبة، والمساحة المسيجة التي ينبغي أن لا يتعدوها، متوهماً بأنه يمسك بكل خيوط اللعبة السياسية، مستنداً على كتائبه العسكرية، ليفرض على الشعب اللبناني خياراته السياسية بتبعيته المذلة للنظام الإيراني.. إن ذلك الخطاب الكارثي لنصر الله قد حرض الثوّار اللبنانيين على رفع سقف المطالب إلى ذهاب الحكومة بكل تياراتها ومكوناتها، وتغيير صورة المشهد السياسي بالكامل، بصورة دراماتيكية لا تقبل أي نوع من المساومة، لم يحفل الشارع اللبناني كثيراً بالورقة الإصلاحية التي قدمها الحريري لتقديم خارطة طريق ترضي الشعب، وتسكت ثائرة المحتجين، فكان الحراك الشعبي ممتداً بين المدن، وقارب أن يشكل اعتصاماً كامل الشروط، لو لا التصرف الهمجي الثاني الذي قام به حزب الله وحركة أمل بمهاجمة المحتجين ومحاولة تفريقهم بقوة السلاح، الأمر الذي كاد أن يعيد مشهد صراع الطوائف في الساحة اللبنانية، ويسترجع ذكرى حربهم اللئيمة التي وضع اتفاق الطائف حدّاً للدم اللبناني المراق على عتبات السياسة آنذاك.

إن النهج الكارثي الذي ينتهجه نصر الله وحزبه التابع لأجندة الملالي وتصرفات رئيس الجمهورية وصهره وحزبه في معالجة الوضع القائم حالياً في لبنان لن يؤدي إلا إلى تعميق الأزمة، بخاصة وأن آلة حزبه الإعلامية باتت تستهدف الثوار والمتظاهرين وتحاول أبلستهم وشيطنة مطالبهم، خالقة بذلك نذر مواجهة محتملة بين أنصاره والشارع اللبناني، فموقف نصر الله وحزبه متجه بالكلية إلى إقرار الوضع القائم على ما هو عليه، وترقيعه بأي صورة من الصور ليظل متماسكاً في شكله الظاهر بما يمكنه من فرض أجندته، غير عابئ بمطالب الشعب ولا بحقوقه، مفترضاً أن تلك المطالب هي محصلة لإملاءات خارجية، وضغوطات تمارسها دول إقليمية، غامزاً المحتجين بالعمالة، ومطالباً إياهم بالكشف عن مصادر التمويل التي يتلقوها لإدارة هذه الاحتجاجات، في الوقت الذي يجهر فيه بتبعيته المطلقة للنظام الإيراني من حيث التمويل المادي، والاستلهام الأيديولوجي، فما يجرم به المحتجين، ويصم به الثوار من التبعية والارتزاق؛ نجده في المقابل يمارس هذا الدور علناً، معرضاً لبنان والمنطقة كلها إلى أخطار المد الصفوي البغيض، وتركه الساحة اللبنانية والعربية والإسلامية نهباً لمخاطر التطرف والإرهاب والأجندات الخفية.

لا شك أن الساحة اللبنانية مقبلة على فترة من أحرج فتراتها على الإطلاق، فقد حددت الاحتجاجات القائمة الآن المسار المستقبلي لبلد الأرز، ورسم الشباب الثائر ملامح غده، وبينه وبين ذلك الغد حوائط الطائفية، وطموحات الزعماء المغامرين، الذين لا يرون أفقاً لأي حل إلا عبر أحزابهم، ويفرضون وصايتهم على الشعب اللبناني زوراً وبهتاناً، ويرسمون صورة قاتمة لمستقبل هذا البلد الجميل؛ إن هم غادروا سدته، وتركوا الساحة لغيرهم، وفي هذا الإدعاء الأجوف تسكن الأزمة، وتنمو بذور الصراع، الذي نأمل أن يضبطه عقلاء لبنان، بما يجنب ساحته عودة السلاح واقتتال الطوائف، فالنتيجة ستكون أكثر فداحة مما سبق، في ظل ما تشهده المنطقة العربية من تجاذبات إقليمية وعالمية بالغة التعقيد، ومفخخة النوايا والأهداف والأجندات، وعلى رأسها الطموح الصفوي لنظام الملالي في إيران.

* كاتب سعودي

nyamanie@hotmail.com