في لقاء ذكريات يتناول مسيرة الدكتور عبدالله النفيسي بث على قناة القبس الكويتية الأسبوع الماضي، ظهر النفيسي فاقدا حيويته كاشفا عن فجوات بل فضائح في رواياته وتحليلاته السياسية التي كان يروجها طوال الثلاثين سنة الماضية، في نظري كان النفيسي في غنى عن انكشافه بذلك الشكل، لقد سوق نفسه على أنه المفكر الاستراتيجي الأبرع في الشأن الخليجي، فإذا بنا أمام شخص مضطرب نسي حتى ما تم تسجيله في لقاءات سابقة.

لم يستطع النفيسي أن يخرج من خطابه التعبوي ضد الآخرين، لقد كان ذلك سلاحه الأمضى في الهجوم على من يختلف معهم، انتقد السعودية لأنها لا تهاجم إيران مثلا، وفي الوقت نفسه ولدى جمهور آخر كان يبشر بفارسية الخليج ويدافع عن احتلال طهران للجزر الإماراتية، ويدعوها لفرض هيمنتها على الخليج، هذا فضلا عن تغنيه بلقاءاته مع مسؤوليها ووصفه لهم بالأمة العظيمة.

شخصية النفيسي مليئة بنرجسية البحث عن الزعامة كما وصفه الكاتب الكبير «علي العميم»، وللاقتراب أكثر من شخصية النفيسي وتفكيكها، علينا أن نفهم غيرته الشديدة من «محمد حسنين هيكل» عراب الحركة الناصرية ومنظر التيار القومي العربي، الغيرة التي قضت على إمكانية أن يكون مفكرا استراتيجيا حقيقيا، لقد سوق نفسه على أنه «هيكل» الإسلامويين وفيلسوف حركاتهم، وتبنى مشروعهم الحركي ودافع عنهم بشراسة، بينما لم يستطع أن يتجاوز شارع المقطم حيث كان يعيش مرشد الإخوان.

في خط مواز كان عبدالله النفيسي يوحي حواراته ولقاءاته على أنه ميشيل عفلق «الإخوان المسلمين» ولولا أنه كويتي وليس مصريا، لكان التنظيم رفعه لمرتبة «سيد قطب» وهي أعلى مراتب التنظيم، إلا أن عنصرية إخوان مصر أبقته كما الكثير من قياداتهم خارج مصر في مرتبة أدنى منهم.

صدقَ النفيسي نفسه وصدقته التيارات الإسلاموية فورط نفسه وورطها، فتحليلاته لم تخرج عن أمنيات «فاسدة» منتهية الصلاحية، وليعمق متاهة الإسلامويين تبنى خطابا «سياسيا ملتبسا»، ألم يكن يصف أسامة بن لادن بالمجاهد وأتباعه بالجهاديين ويبشر بانتصاراتهم.

أما كيف استطاع النفيسي تسويق نفسه، فتلك قصة أخرى، فإضافة إلى تقاسيم وجهه الغريبة وحاجبيه المرفوعين إلى سقف رأسه، يستخدم النفيسي صوته العميق لإضفاء مزيد من التأثير على متابعيه، وما إن يلقي فكرة أو تعليقا، إلا وتتلقفه الآلة الإعلامية «القومج إخوانية» وهي مكنة تبدأ من البي بي سي عربي ولا تنتهي في الجزيرة، مهمتها إعادة إنتاج ما يقوله وبيعها في أسواق العامة وعلى أرصفة المناهضين للدول المعتدلة.

النفيسي في حقيقته أقرب ما يكون إلى «مشعوذ سياسي» مسكون بقدرات لا يمتلكها، وخوارق لا يستطيع أن يفعلها، لكنه بالتأكيد لديه سحر الإيحاء واللعب على التخوفات والتناقضات، مثل أي مشعوذ تذهب إليه المطلقات بحثا عن حلول غيبية لن تحدث.

النفيسي الذي عاش متنقلا من الحضن الثوري الشيوعي إلى الإخواني ثم الجهيماني فالجهادي والإيراني وأخيرا للبيت الإخواني من جديد، كانت وظيفته الرئيسية بيع الأوهام على عوام الإخوان وحلفائهم من البعث والقومجية كل حسب سوقه وحاجته، وترسيخ وهم الحلول الربانية التي ستسقط من السماء قاضية على أعدائهم وتمكنهم من رقاب وحياة الناس.

الملفت في حديث «ذكريات النفيسي» أنه نسي نظرياته وأفكاره وحتى اتهاماته السابقة، يُذكره المذيع بلقاء خرج فيه على قناة الجزيرة آخر التسعينات، قال فيه إن «المباحث السعودية» قبضت عليه خلال حادثة جهيمان بعدما دخل خلسة للمنطقة الشرقية، ومتهما الجهاز بتعريضه للإهانة والمعاملة القاسية فإذا به يرتبك منكرا ذلك، ثم يستدرك، إذا أنا قلت ذلك، ففيه مبالغة. - لنقف قليلا. النفيسي هو من يصف نفسه بالمبالغ، بل وينكر كلامه، ليؤكد بعد 22 سنة من إطلاقه للأكاذيب - كعادته- أن معاملة المباحث السعودية كانت جيدة.

وإكمالا لنفيه علاقته بجهيمان والمهدي المزعوم محمد بن عبدالله، والتقائه بالمهدي في الكويت، راوغ النفيسي كثيرا، وعندما سأله المذيع تحديدا عن مقال - لمحمد الساعد - نشر في صحيفة عكاظ سبتمبر 2016، كشفتُ فيه عن تولي إخوان الكويت دعم جهيمان وطباعة رسائله في مطابع الطليعة الشيوعية، وانتهاء بدخوله للأراضي السعودية انتظارا لنجاح العملية، وبدلا من الإجابة، اتهمني النفيسي «بأنني كتبت ذلك متملقا الحكومة السعودية»، وعلى الرغم من أن تملق وطني وحكومتي شرف إلا أن ما ذكرته في المقال هو الحقيقة التي يهرب النفيسي منها، فهو لم يبرر دخوله إلى المملكة خلال احتلال الحرم حاملا معه الكتيبات والرسائل، فجهيمان لم يكن سوى نبتة إخوانية ثورية، وهو أقرب ما يكون إلى مكينة سلفية - متطرفة- مع جسم إخواني غذاها النفيسي وحاول استثمارها، كونه ضابط الاتصال بين التنظيم وحركة جهيمان.

* كاتب سعودي